ننشر كتاب "الشيعة و الثورة" للدكتور أحمد راسم النفيس

تم النشر فى كتب مع 1 تعليق منذ 11 أشهر

/

قبل فترة من الوقت كنت أتابع أحد المتحدثين على شاشة التلفاز المصري و هو شخص يجري تقديمه للناس باعتباره نسخة معاصرة من تاريخ الطبري... كان الرجل يتحدث عن الثورة الحسينية في مواجهة الطغيان الأموي بكل ما يمثله من انحراف عن منهج الإسلام المحمدي الرسالي الأصيل و هي المحاولة التي قدر لها أن تنجح نجاحا جزئيا بفضل المساعدات التي حظي بها الأمويون من أناس على شاكلة الطبري المعاصر و لكن الأمويون و برغم كل ما ارتكبوا من جرائم و برغم كثرة من ساندوهم أو حاولوا تبرير تلك الجرائم لم ينجحوا في تحقيق أهدافهم  بصورة كاملة أو نهائية بسبب ما خطته الحركة الحسينية على أرض الواقع من معالم كانت و لا زالت قادرة على التمييز بين الحق و الباطل و بين الحقيقة و الزيف مهما حاول المرتزقة و المزورون أن يزيفوا و يضللوا.
انطلق الرجل في حديثه عن الثورة الحسينية من تلك المعزوفة البائسة التي يكررها كل من كان في قلبه مرض يحمله على بغض أهل بيت العصمة و النبوة .... لماذا خرج الحسين بن علي و قد نصحه فلان و علان ؟؟ و أبو هريرة؟؟!! ... و هو نفس الكلام الذي اجتره الجماعاتيون بعد ذلك في مبادرتهم المسماة بمبادرة وقف العنف عندما زعموا أن الخروج المسلح على سلاطين الجور لم يحقق أي خير للأمة ودليلهم عل ذلك ما أسموه (بفشل الثورة الحسينية !! ....
انعطف الطبري الجديد فجأة في حديثه قائلا (من هنا كانت بداية و نشأة التنظيمات الشيعية و الحركات المسلحة!!!).
و لاشك أن كلمة تنظيم أو جماعة قد اكتسبت سمعة رديئة بفضل جهود (الأخوة الجماعاتيين) و تصرفاتهم العشوائية الهوجاء و افتقادهم للرؤية الواضحة فضلا عن الارتباط بمدرسة التغيير الأولى في الإسلام ألا و هي مدرسة أهل البيت أي أن (الطبري الجديد) حاول أن يلصق تهمة الإرهاب بالشيعة القدامى و من ثم المعاصرين و خاصة في ضوء ما يعرفه الرجل من حساسية النظم الحاكمة تجاه الشيعة عامة و الثورة الإسلامية الإيرانية خاصة.
أي أن الرجل أراد أن يقدم بلاغا أمنيا لمن يهمه الأمر لسرعة التصرف و اتخاذ الإجراءات الأمنية اللازمة للقبض على كل من يحاول السير على نهج هؤلاء (الإرهابيين الأوائل) و نحن نقول له خسئت...
الإسقاط الآخر الذي حاول الأستاذ الطبري الإيهام به هو أن ظهور الشيعة و التشيع لأهل بيت العصمة و النبوة و الطهارة كمفهوم  جاء كردة فعل لاستشهاد أبي عبد الله الحسين أي أنه كان موقفا سياسيا انفعاليا متطرفا مثل حالة من النقمة المضادة لبني أمية الذين اضطروا لاتخاذ هذا الموقف الحازم و العنيف ضد الثورة الحسينية التي هددت استقرار النظام الإسلامي و كادت أن تودي به لو لم يتصرف الأمويون بهذا الحزم في مواجهة الإرهاب الشيعي!!.
أي أن بن أمية كانوا أحرص على وحدة الأمة و استقرارها من أئمة أهل البيت عليهم السلام!!!.
من هنا كان لا بد من كتابة هذه السطور لنجلي حقيقة العلاقة بين التشيع كنظرية و انتماء و بقية عناصر و مكونات المشروع الإسلامي القديم و المعاصر.

كلمات عن حقيقة و جوهر التشيع لأهل البيت

العلاقة الجدلية بين المسلمين و الإسلام
أصبحت كلمة الشيعة في عصرنا الراهن علما على التشيع لأهل بيت العصمة و النبوة  عليهم و على نبينا أفضل الصلاة و أتم السلام بعدما كان من الممكن سابقا أن تسمع كلمة شيعة أبي سفيان أو شيعة عثمان.
إذا فكلمة التشيع في معناها اللغوي تعني الانحياز العملي لحزب أو جماعة أو موقف سياسي و هكذا فقد وردت في القرآن بهذا المعنى (و إن من شيعته لإبراهيم … فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه) إذا فالشيعة و التشيع لأهل البيت تعني الانحياز لمواقفهم السياسية و الفقهية و الفكرية بينما كان هناك دائما تيار يرى الانحياز لقوى الأمر الواقع و كل من غلب و ركب و سماه أشباه الناس و وعاظ السلاطين خليفة أو أميرا للمؤمنين.
و هكذا و نتيجة للبث الأموي الإعلامي المتواصل و القمع السياسي المستمر و استمراء هؤلاء الجبابرة سفك دماء أهل البيت و شيعتهم فقد تمكن هؤلاء من إنتاج أكبر عملية لتزييف الوعي الإنساني في التاريخ البشري و ما عليك إلا أن تذكر كلمة الشيعة حتى يصاب الكثير من أشباه المتعلمين الذين ارتضعوا التراث الأموي بحالة من الفزع و القشعريرة و تنصرف الأذهان تلقائيا إلى مجموعة من المعان الزائفة و المضللة التي بثها الإعلام الأموي و السلطوي و تناقلتها ألسنة السوء و خطباء الفتنة وعاظ السلاطين و مرتزقة النفط من الوهابيين و آكلي السحت الذين ما يأكلون في بطونهم إلا نارا و سيصلون سعيرا الذين لم يكن لهم من هم عبر السنين إلا بث الإشاعات و ترويج الأكاذيب عبر القرون الطوال أولئك المرتزقة الذين لا يشغلهم من الدنيا إلا شهوتي البطن و الفرج و الذين فتحت لهم براميل النفط الأسود ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم و ويل لهم مما يكسبون فهم تارة أولئك السبئية الذين أضلهم عبد الله بن سبأ ذلك اليهودي اليمني ابن السوداء و هم تارة ثانية قوم من البشر يزعمون أن جبريل عليه السلام قد أخطأ بإنزاله الوحي على محمد بن عبد الله بدلا من علي بن أبي طالب (و هب أنه أخطأ في المرة الأولى فلماذا أصر على خطئه؟؟!!).
وهناك رواية ثالثة تقول أن هؤلاء الشيعة يدعون على أئمة أهل البيت (الذين يحبهم ويقدسهم أهل السنة الفرقة الوحيدة الناجية من النار؟؟!!) أنهم يعلمون المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب و أن مثل هذه الأشياء هي من افتراءات الشيعة وليس من الممكن أن تصح نسبتها إلى أهل البيت عليهم السلام الذين كانوا إما شخصيات تاريخية مجهولة ومغمورة لم يسمع بها أحد ولم يروي عنهم (الأئمة الأعلام) مثل البخاري ومسلم وأبي حنيفة و ابن حنبل و غيرهم الذين انتهى إليهم علم النبوة و صحيح الدين و الذين مثلوا منهج الوسطية و الاعتدال!!.
ثم جاء ورثة السنة المعاصرون من قادة الجماعات الإسلامية الذين قدموا أنفسهم للجماهير المتطلعة للعدالة باعتبار أنهم الطليعة المناضلة التي ستعيد الأمة إلى ما كانت عليه في تلك الأيام الخوالي قبل سقوط الخلافة العثمانية....... فها هو سيد قطب في كتابه الكارثة المسمى (معالم في الطريق) يقول تحت عنوان (جيل قرآني فريد) لقد خرجت هذه الدعوة جيلا من الناس جيل الصحابة رضوان الله عليهم    جيلا مميزا في تاريخ الإسلام كله و في تاريخ البشرية جميعه ثم لم تعد تخرج هذا الطراز مرة أخرى نعم وجد أفراد من ذلك الطراز على مدى التاريخ و لكن لم يحدث أن تجمع هذا العدد الضخم في مكان واحد- ذلك الجيل الأول الذي لم يتكرر في التاريخ- فلنبحث إذن وراء سبب ظهور هذا الجيل ...... كان القرآن وحده إذا هو النبع الذي يستقون منه و يتكيفون عليه و يتخرجون عليه........ ذلك الجيل استقى إذن من ذلك النبع وحده فكان له في التاريخ ذلك الشأن الفريد ثم ما الذي حدث؟؟ اختلطت الينابيع و صبت في النبع الذي استقت منه الأجيال التالية فلسفة الإغريق و أساطير الفرس و إسرائيليات اليهود و لاهوت النصارى و تخرج على ذلك النبع المشوب سائر الأجيال بعد ذلك الجيل فلم يتكرر ذلك الجيل أبدا) معالم في الطريق ص 14- 17.
هذا هو ما قاله سيد قطب الذي ما زال البعض يعتقد أنه محرر الأجيال و مجدد الإسلام في القرن العشرين و هو كلام لا يختلف في شيء عما قاله حسن البنا قي خطبه الطنانة الرنانة و لا ما قاله كل من تخرج في مدرسة من يزكون أنفسهم و يمدحونها بوصفهم لها (بأهل السنة المعاصرين) حيث يرى كل هؤلاء أن الأمة الإسلامية كانت تعيش في فترة شديدة الإشراق و الرفعة و السمو بفضل هؤلاء الصحابة ثم تغير كل شئ فجأة أو بالتدريج و هم يقولون تارة أن هذا حدث بعد سقوط الخلافة العثمانية و تارة أخرى بعد مجيء الاحتلال الإنجليزي و تارة ثالثة منذ قرون عديدة لا يعلم عددها إلا الله المهم أن الكل يتفقون على إعلائهم لشأن المرحلة الأولى التي تميزت بذلك (الجيل القرآني الفريد).
و لا شك أن هذا التصور يكشف عن سطحية شديدة و سذاجة أشد و أن (النبع) الذي استقى منه هؤلاء المجددون معارفهم هو خطيب الأوقاف في الزاوية المجاورة صاحب السيف الخشبي الذي رأيته بنفسي و أن هذا النبع كان يكفي من وجهة نظر البعض لقيادة أمة و تغيير العالم و أستاذية الدنيا إلى آخر تلك العبارات و النياشين  التي تفنن هؤلاء السادة في منحها لأنفسهم و لقادتهم.
و إذا كان قادة الانقلاب المضاد لقيادة أهل بيت العصمة و النبوة و الطهارة يستحقون كل هذه المدائح فمن هو المسئول عن مصائبنا و كوارثنا و من هو المخاطب بقوله تعالى (أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم و من ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا و سيجزي الله الشاكرين) آل عمران.
الشيء الثابت أن الكثير من هؤلاء قد انتهت بهم رحلتهم مع هذا الدين عند تلك المحطة (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا و لما يدخل الإيمان في قلوبكم) سورة الحجرات.
هذه هي حقيقة الذين انقلبوا على أعقابهم و ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى فصاروا حربا على أئمة الحق من آل محمد و عاشت الأمة بفضل جهودهم تتخبط في التيه كما فعل بنو إسرائيل و تنتقل في الظلمات (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم و تركهم في ظلمات لا يبصرون* صم بكم عمي فهم لا يرجعون* أو كصيب من السماء فيه ظلمات و رعد و برق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت و الله محيط بالكافرين * يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه و إذا أظلم عليهم قاموا و لو شاء الله لذهب بسمعهم و أبصارهم إن الله على كل شيء قدير) سورة البقرة 17-20.
و إلا فليجيبنا هؤلاء الفلاسفة لماذا أعلن ذلك الجيل الفريد  الحرب على الإمام المنتخب من قبل الأمة علي بن أبي طالب وصي رسول رب العالمين في الجمل و صفين و النهروان و هل كان هؤلاء قرآنيين بالفعل يوم أن فعلوا هذا أو حتى كانوا من الله في شيء أو عن أولئك الذين قتلوا العترة الطاهرة في كربلاء و أبادوهم و سفكوا دماءهم هل كانوا من الآدمية في شيء.
لقد تحدثنا سابقا عن تلك المواجهة بين النهجين (إسلام البداوة إسلام الأعراب الذين قالوا آمنا بأفواههم و لم تؤمن قلوبهم و الذين فضحهم رب العزة برده عليهم لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا) أي استسلمنا أمام الحق الزاحف و عجزنا عن مواصلة المقاومة و قررنا الالتفاف حول هذا الدين و ممثليه الحقيقيين حملة إسلام الحضارة بقيادة أهل البيت عليهم السلام.
لقد تجلى إسلام البداوة في تلك التصورات الهمجية البدائية عن الألوهية و الدين فهم قد قدموا للناس على ألسنة الوضاع و المؤلفين (إلها) يضحك و يضرب النار برجليه و يدخل في مواجهة مع أهل الجنة الذين يهمون أن يبطشوا به فيقول أنا ربكم فيطالبونه بإقامة الدليل على ذلك قائلين إن بيننا و بين ربنا علامة فيكشف عن ساق و له خمسة أصابع يمسك بها السماوات و الأرض و الجبال ثم يهزها بيده ... هكذا قال أبو هريرة و الأهم من ذلك كله أن هذا الإله يأمر بالظلم لأنه يأمر بطاعة جبابرة بني أمية في كل شيء إلا إعلان الكفر أما ما عدا ذلك فلا عليك!! و يحرم مقاومة الظلم و الظالمين أي أن الله (تبارك و تعالى عما يقول هؤلاء الأعراب الأشد كفرا و نفاقا) لا يريد من خلقه شيئا سوى الاعتراف اللفظي بألوهيته و للناس بعد ذلك و خاصة الجبابرة و الظالمين منهم مطلق الحرية في إتيان كل ما نهى الله عنه من ظلم و بطش و فحش و عدوان و لو كان ذلك الأمر متعلقا بسفك دماء الآلاف و اغتصاب عدد مثلهم من المسلمات الحرائر كما حدث في واقعة الحرة  و هدم بيت الله الحرام فأي دين هذا؟؟؟.
ألم يقل ربنا عز و جل (و ما خلقنا السماء و الأرض و ما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار).   
و من هنا فإن الثورة الحسينية الاستشهادية في وجه الجبروت الأموي كانت  حلقة في الصراع الدائر بين إسلام الحضارة و إسلام البداوة… حلقة لا يمكن اختزالها بتلك البلاغات الأمنية الكيدية الفجة و لا تلك المانشيتات التهييجية من نوعية (ومن هنا ظهرت التنظيمات الشيعية.... موسيقى تصويرية و مارشات عسكرية تعقبها حملات أمنية!! للقبض على كل من يبدأ اسمه بحرف الشين ... شيخ... شريف... شوقي شيعي.. مع استثناء شيوعي لأنها مسبوقة بألف و لام!! أما شارون فلا يحتاج إلى أي استثناء).
إنه نفس منطق شارون وباراك الذي يريد أن يسيطر ويهيمن ويحتل الأرض و يدمر الحرث و النسل و يبنى المستوطنات و يطرد أهلها الأصليين ثم هو يعتبر المقاومين إرهابيين و خارجين عن القانون بالرغم من أن المقاومة هي رد فعل طبيعي و منطقي على ذلك العدوان و الظلم و التعسف.
و الطريف أن ذلك الشارون قد نجح بالفعل في تقديم نفسه للعالم باعتباره المعتدى عليه و الراغب في إقامة السلام و أن (الإرهاب الفلسطيني) يحول بينه و بين غرضه (النبيل)!!!...
و لهذا و حتى يأتي اليوم الذي يتمكن فيه المسلمون من مغالبة أهوائهم و التخلص مما يعانون منه من ازدواجية أخلاقية تحول بينهم و بين الالتزام بإسلام الحضارة و تغليبه على إسلام البداوة و تصحيح نظرتهم ليتمكنوا من التفرقة بين  المعتدي و المعتدى عليه فسيبقى المنطق الصهيوني المدعوم بغطرسة المال و السلاح غالبا و منتصرا على منطقهم الهزيل و المفكك.
لقد كانت المصائب التي لحقت بالإسلام المحمدي طيلة الفترة التي تلت وفاة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و حتى التحرك الحسيني الثوري الإستشهادي تمثل عبئا ثقيلا ملقى على عاتق أمناء الرسالة من أهل بيت العصمة و النبوة الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا و كان استمرار الصبر و الصمت يمثل نوعا من الخيانة لتلك الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات و الأرض و الجبال و حملها الجهال بغيا و عتوا و استكبارا في الأرض و لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله و الدليل الأكبر على سلمية الحركة الحسينية هو اصطحابه للنساء و الأطفال تماما مثلما يفعل زعماء الدول المتحضرة حين يذهبون لزيارة دولة أخرى و هو نفس المنطق الذي طرحه كتاب الله عز و جل حينما قال (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا و أبناءكم و نساءنا و نساءكم و أنفسنا و أنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) سورة آل عمران.
فإسلام الحضارة يعلي شأن المرأة و يحوطها بهالة من القداسة و الاحترام و يجعل من حضورها الاجتماعي و السياسي عنوانا و رمزا على جماعية  و حضارية و سلمية التحرك أما إسلام البداوة فيجعل من المرأة إما موضعا لقضاء الشهوة أو حبيسة بيتها.
لذا فإننا نرى من الضروري أن نرصد التحولات السياسية و الاجتماعية و الفكرية التي أحدثتها الثورة السياسية الحسينية و التي أعقبت استشهاده عليه السلام و بروز الشيعة كقوة سياسية ثورية معارضة على المسرح السياسي و هل حقا ما يقوله البلهاء و الغوغاء من أن المفسدة التي جرها خروج الحسين على ما يسمونه بالحاكم المسلم و يعنون بذلك يزيدا كانت أكبر من المصلحة التي تحققت أو كما قال شيخ الصحوة الإسلامية يوسف القرضاوي سلطان غشوم خير من فتنة تدوم!!!.
الأمر الآخر ما هي طبيعة التحرك الشيعي و ما هي الصفات و الخصائص التي ميزت تحركهم عن بقية الفرق السياسية و القبلية الموجودة على الساحة آنئذ.

  
أين كان الشيعة عندما قتل الإمام الحسين؟؟
سؤال نصفه صحيح و نصفه خاطئ
و لماذا لا يطرح السؤال بشكل يختلف قليلا
أين كان جمهور الناخبين المبايعين عندما قتل إمامهم؟؟
ما هو المنطق الذي يجعل البيعة لإمام عظيم كالحسين بن علي ريحانة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم عملا من أعمال الحرب يستدعي تطبيق قانون الطوارئ الأموي أو قانون الاحتلال الإنجليزي على من بايعوا رجالا كانوا أم نساء شيوخا كانوا أم أطفالا؟؟.
بينما يقول لنا الطبري المعاصر و فلاسفة الهزيمة و التراجع من قادة الجماعات من أحفاد الخوارج أن خروجهم يشبه خروج الإمام الحسين!!  فمن الذي بايع لهم و من الذي أعطاهم صفقة يده و من الذي طلب إليهم حتى الكلام فضلا عن الخروج و التصدي لقيادة الأمة و ما هو وجه الشبه بين نهج الخوارج و نهج أهل البيت و ما الذي جمع الشرق و الغرب في مكان واحد؟؟!!.
إذن فالخطأ الذي ارتكبه هؤلاء الشيعة لم يكن في إعطائهم البيعة لأبي عبد الله الحسين لأنهم لو لم يفعلوا ذلك لما كف ذلك المؤرخ المعاصر و أشباهه عن القول بأن الحسين عليه السلام لم يجد من يبايعه أو يلتفت لنداءاته و أن (هذا يدل على حسن اختيار الأمة ليزيدها و جلادها و أن اختيار هذه النوعية من السفاحين للتحكم في رقاب المسلمين كان دليلا على نضج الأمة و بلوغها سن الرشد فضلا عن كونه ضرورة يمليها تطور أوضاع الدولة الإسلامية التي لم تعد تحتاج إلى حكام متمسكين بالقيم الأخلاقية في مواجهة التهديدات الأجنبية) إلى آخر ذلك النوع من المنطق الفاجر و السفيه التي ما يفتأ هؤلاء المفكرون السفهاء يلوكونه حتى لا تنقطع حصتهم من الريالات و من بينهم ذلك (المفكر المستنير) الذي كتب يقول أن (قتل علي بن أبي طالب كان ضرورة يحتمها تطور الأمة الإسلامية التي لم تعد تطيق ذلك النمط من التطهر الأخلاقي؟؟!!) و هو منطق يشبه القول بأن ما تتعرض له الأمة على يد الصهاينة و بوش و شارون و صدام حسين التكريتي هو ضرورة مرحلة لأن الأمة لا تتحمل الحرية و لا الكرامة؟؟؟!!!.
لقد أخطأ هؤلاء خطأ جسيما عندما دعوا أبا عبد الله الحسين من دون أن يعدوا العدة الكافية للدفاع عن حق الأمة في استبقاء مصيرها بين أيديها و من دون أن ينتبهوا لدرجة الهمجية و التوحش التي وصلت إليها العصابة الأموية الدموية و هي (عيوب)
جوهرية في ذلك النظام الأموي و ليست بالضرورة عيوبا في خصومه على طريقة يرضى القتيل و ليس يرضى القاتل.
ثم ألا تلاحظ معي أيها القارئ العزيز أن هذا السؤال التهكمي يحمل بين ثناياه اعترافا ضمنيا بحقيقتين أولاهما أن الشيعة في هذا الوقت كانوا يمثلون تجمعا عضويا موجودا على الساحة و إن عانى من أزمات في التكوين نتيجة لظروف السرية المفروضة عليه أي أن وجوده لم يكن تاليا على التحرك الحسيني بحال من الأحوال.
أما الحقيقة الثانية فهي ذلك الارتباط القائم بين الشيعة و القيادة أي الإمامة المتمثلة وقتها بأبي عبد الله الحسين و هي مسألة يتحتم إبرازها في مواجهة حملة التضليل التي يمارسها هؤلاء الأفاقون و التي تحاول الفصل بين الأمرين (الشيعة و القيادة) حيث يقولون أن أئمة أهل البيت عليهم السلام كانوا بعيدين عن هؤلاء الشيعة المتطرفين و أن الشيعة قد قولوا الأئمة ما لم يقولوه و الواقع الذي نحكيه خير شاهد على وجود تلك العلاقة بين القائد و جماهيره الذين أطلق عليهم بعد ذلك اسم الشيعة بغض النظر عن مستوى أدائهم السياسي أو الجهادي.
و في النهاية نضع الأمر كله في نصابه الحقيقي و هو أن هؤلاء الداعين و المبايعين كانوا أبناء الأمة من المسلمين المتطلعين لقيادة راشدة تأخذ بهم سبيل الهداية و الرشاد فكان أن حال الطغيان و الاستبداد الأموي بينهم و بين تلك الأمنية العادلة و التطلع المشروع.
و الآن ننتقل إلى موضوعنا الرئيسي؟؟.

ما الذي حدث بعد استشهاد أبي عبد الله الحسين؟؟.

روى ابن جرير الطبري عن أبي مخنف أن القوم لما أحاطوا بأبي الأحرار الحسين بن علي (كان يقول قبل أن يقتل و هو يقاتل على رجليه قتال الفارس الشجاع يتقي الرمية و يفترص العورة و يشد على الخيل و هو يقول أعلى قتلي تحاثون؟؟ .. أما و الله لا تقتلون بعدي عبدا من عباد الله .. الله أسخط عليكم لقتله مني و أيم الله إني لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون أما و الله أن لو قتلتموني لقد ألقى الله بأسكم بينكم و سفك دماءكم ثم لا يرضى لكم حتى يضاعف لكم العذاب  الأليم) تاريخ الطبري ج5 ص 452.
إذا فقد كان استشهاد أبي عبد الله الحسين هو الزلزال الذي عصف بقواعد و أركان الحكم الأموي و إذا كان استقرار هذه النظم الجائرة يمثل من وجهة نظر البعض مصلحة فهي فعلا مصلحة للطفيليين  و المرتزقة و القتلة و مصاصي الدماء و لكنها لم تكن أبدا مصلحة للأمة و يبقى أن لكل قاعدة استثناء و لا شك أن بني أمية مثلوا واحدا من أخطر تلك الاستثناءات التاريخية أولئك الذين قدموا لنا زياد ابن أبيه و عبيد الله بن زياد و الحجاج الثقفي و يوسف بن عمر فأي مصلحة في استقرار هؤلاء و إعانتهم على ارتكاب المزيد من جرائمهم و الأهم من هذا كله سعيهم لتزييف الدين الحقيقي و طمس معالمه ذلك التزييف الذي ما زالت معالمه تطل بوجهها الكالح إلى يومنا هذا.
لقد عصفت الآثار المباشرة للزلزال الحسيني بالدولة اليزيدية التي لم تدم بعد تلك الجريمة الكبرى إلا أياما معدودات و إن قيست بالشهور و الأعوام أما التوابع فما زالت تضرب حتى الآن في أكباد كل الطغاة و المتجبرين حتى يأذن الله بالانتصار النهائي للحق على الباطل.
اهتزت الأرض تحت أقدام ذلك النظام الأموي اليزيدي و خاصة في امتداده المرواني و جاءته الضربات من كل ناحية ..... من داخل البيت الأموي و من خارجه و هذا هو درس التاريخ الذي لم و لن يتعلمه الطغاة و المستبدون من ناحية و لا البلداء و الأغبياء الذين يصرون على التصدر لقيادة الأمة جهلا و استكبارا في الأرض من غير عدة إلا الجهل الغشوم فتراهم يضعون السيف في موضع الندى و الخرق في وضع الرفق و أنى لمن لم يتعلم الحكمة من معدنها محمد و آل محمد أن يداوي جراح الأمة او حتى جراح نفسه؟؟!!!.
عبد الله بن الزبير يدعو إلى نفسه.
طالما حلم ابن الزبير أن يكون خليفة للمسلمين أيا كان الثمن الذي ستدفعه الأمة من أجل تحقيق هذا الهدف و قد راوده ذلك الحلم إبان معركة الجمل تلك المعركة التي كان له دور بارز في إشعالها و كان يزعم أنه أحق بالخلافة و الرئاسة من طلحة بن عبيد الله و من أبيه الزبير بن العوام لأن عثمان بن عفان كان قد أوصى إليه بالأمر أثناء حصاره.
أما عن دوره في سفك دماء المسلمين خلال هذه الحرب فحدث و لا حرج.
و هو قد اختار مكة المكرمة و بيت الله الحرام قاعدة لانطلاقته نحو السلطة أي أنه اتخذ من بيت الله الحرام رهينة ضاربا عرض الحائط بكل الوصايا التي تحرم هذا و هو ما حرص الإمام الحسين عليه السلام على تجنبه عندما تعجل الخروج من منطقة الحرم كلها قائلا لأن أقتل خارج الحرم بشبر أحب إلي من أقتل داخله بشبر ناهيك عن علمه بأن بني أمية لا يتورعون عن ارتكاب أي جريمة أو انتهاك أي حرمة من أجل إدامة سلطتهم الغاشمة و لو كانت هذه الحرمة هي بيت الله الحرام أو قتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أضف إلى ذلك أن الأمويين لم يحترموا الحرمات و لا التقاليد التي احترمها العرب في جاهليتهم مثل حرمة النساء و الأطفال و قد أخذوا بنات رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم سبايا.
يروي ابن جرير الطبري قال (لما قتل الحسين بن علي عليه السلام قام ابن الزبير خطيبا في أهل مكة و عظم مقتله و عاب على أهل الكوفة خاصة و لام أهل العراق عامة ثم قال أفبعد الحسين نطمئن إلى هؤلاء القوم و نصدق قولهم و نقبل لهم عهدا !!! لا و لا نراهم لذلك أهلا أما و الله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه كثيرا في النهار صيامه أحق بما هم فيه منهم و أولى به في الدين و الفضل أما و الله ما كان يبدل القرآن بالغناء و لا بالبكاء من خشية الله الحداء و لا بالصيام شرب الخمر و لا بالمجالس في حلق الذكر الركض في تطلاب الصيد "يعرض بيزيد" فسوف يلقون غيا فثار إليه أصحابه فقالوا له أيها الرجل أظهر بيعتك فإنه لم يبق أحد إذا هلك الحسين ينازعك هذا الأمر و قد كان يبايع الناس سرا و يظهر أنه عائذ البيت و علا أمر ابن الزبير بمكة و كاتبه أهل المدينة و قال الناس أما إذا هلك الحسين عليه السلام فليس أحد ينازع ابن الزبير) تاريخ الطبري ج5 ص 474-475.
تصرف ابن الزبير على طريقة:
لألفينك بعد الموت تندبني  و في حياتي ما زودتني زادا
ماذا استفاد هؤلاء الطغاة من جريمة قتل الإمام الحسين عليه السلام إذا؟؟
لا شيء سوى فقدان ما تبقى من شرعية وهمية أسهم في بنائها الوضاعون و الكذابون و القتلة و المجرمون.
هل كان الإمام الحسين عليه السلام سببا في شق وحدة الأمة كما يقول السفهاء من الناس أم أن السبب الأبرز و الأهم هو حكومة طواغيت بني أمية و توسيد الأمر إلى غير أهله مما جعل الاستيلاء على السلطة هدفا لكل طامع أو طامح و إذا كان خروج الإمام الحسين عليه السلام يمثل مفسدة كما يقول البلهاء و المعاتيه فهي مفسدة كتلك التي حاول فرعون موسى أن يمنعها بقوله (إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد)سورة غافر.
إننا عندما نصف هؤلاء بالبلهاء فإننا نحسن الظن بهم لأنهم بلهاء و ليسوا خبثاء إذ أن العلاقة بين العدالة و الحق من ناحية و الوحدة و الاستقرار من ناحية أخرى هي علاقة بين السبب و النتيجة فحيثما وجد الحق و العدل وجدت الوحدة و الاستقرار و لا يمكن أن يكون هناك استقرار حقيقي و لا وحدة حقيقية في ظل تلك النظم الظالمة و المتجبرة التي تمارس الظلم و القتل و جز الرؤوس و لو كانت رأس أبي عبد الله الحسين.

 

 


تمرد أهل المدينة على النظام الأموي اليزيدي الذي قضى على نفسه و ألغى مبررات وجوده و استمراره بعد قتله لأبي الأحرار سبط النبي أبي عبد الله الحسين عليه السلام.

التمرد.

حاول يزيد أن يستميل أهل المدينة فاستقبل وفدا منهم فيهم عبد الله بن حنظلة الغسيل و عبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي و المنذر بن الزبير (فقدموا عليه فأكرمهم و أحسن وفادتهم و أعظم جوائزهم فلما قدموا على المدينة  قاموا فأظهروا شتم يزيد و قالوا إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر و يعزف بالطنابير و يضرب عنده القيان و يلعب بالكلاب و يسامر الخراب و الفتيان و إنا نشهدكم أنا خلعناه فتابعهم الناس) الطبري ج5 ص 480. 
و يبدو أن (صاحب الجلالة المعظم يزيد بن معاوية) قد بالغ في إكرام ضيوفه حتى أنه تجاوز البروتوكولات الملكية الأموية و وصل إلى مرحلة رفع الستر و العتب على طريقة إذا لم تستح فاصنع ما شئت و ليس هناك بعد الكفر أو قتل الحسين بن علي ذنب فكان أن فضح نفسه و هتك ما تبقى من أستار كانت خافية على أهل المدينة حاضرة العالم الإسلامي الأولى و الذين زعم أكابر القوم فيها أنهم حافظوا على وحدة المسلمين ببيعتهم لمن بايعوه و بحجبهم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا عن مكانهم الطبيعي الذي تحتاجه الأمة و لو وجد أبو عبد الله الحسين عليه السلام من هؤلاء موقفا حازما في نصرته و الذب عنه و البيعة له و الحفاظ على حق الأمة في اختيار الحاكم الصالح لما اضطر عليه السلام أن يخرج من عندهم خائفا يترقب إلى مكة حتى انتهى موسم الحج ثم عجل بخروجه منها لئلا يغتاله أوباش بني أمية في بيت الله الحرام و لذا فإن تحرك أهل المدينة المضاد لبني أمية جاء متأخرا للغاية و بعد أن ضاعت من بين أيديهم تلك القيادة الربانية وارثة علم النبيين.

 

 

الخوارج يتحركون:
و في نفس العام أي 62 هجرية وجد الخوارج أن الفرصة سانحة للتحرك و الانتفاض فثار نجدة بن عامر الحنفي باليمامة حين قتل الحسين.

 

 

 

 

 

 

 

ثورة أهل المدينة و واقعة الحرة:
أصيبت الأمة بالفرقة و  التشرذم و الشتات لأن الباطل لا يجمع بل يفرق و لأن الوحدة الحقيقية هي اجتماع القلوب و النفوس خلف إمام الحق الذي يعدل في الرعية و يقسم بالسوية أما تلك الحالة المفروضة التي عاشتها الأمة الإسلامية حيث تسلب الإرادات و يحظر الجهر بالحق و ينقاد الناس خلف سلطة جائرة تتلذذ بممارسة القمع و القهر و تنشر الخوف و يلتف وراءها من يسمونهم بعلماء الدين أو وعاظ السلاطين الذين يقومون بوعظ الملك أو الخليفة و الصلاة في الجمعة و الجنازات فلا هي بوحدة و لا توحد بل و سرعان ما تظهر الكوامن الحقيقية للنفوس عند أول فرصة سانحة و كان هذا هو حالة الأمة الإسلامية في تلك المرحلة.
1- السلطة الأموية الجائرة في دمشق.
2- أهل المدينة يخلعون طاعة يزيد القرود.
3- ابن الزبير بمكة المكرمة يدعو لنفسه.
4- و الخوارج ينتفضون بين الفينة و الأخرى.
5- و الشيعة يستعدون للثأر من قتلة الحسين و أهل البيت عليهم السلام.
فمن هم يا ترى أهل السنة و الجماعة وسط هذه الفرق و الجماعات الفرقة الوحيدة الناجية من النار كما يزعم الزاعمون؟؟؟.
تحرك أهل المدينة و بايعوا لعبد الله بن حنظلة الغسيل على خلع يزيد بن معاوية و طردوا عامله منها فأرسل الأمويون إلى قيادتهم في الشام يطلبون النجدة و المدد فدعا يزيد عامله السابق على المدينة عمرو بن سعيد ليرسله على رأس حملة تأديبية إلى المدينة فأبى و حاول أن يرسل بعبيد الله بن زياد إلى المدينة للقيام بهذه المهمة القمعية و غزو ابن الزبير المتحصن بالكعبة فرفض ابن مرجانة قائلا (لا أجمعهما للفاسق أبدا أقتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و أغزو البيت) تاريخ الطبري ج5- ص 482-484.
و أخيرا وجد يزيد من يقوم بهذه المهمة القذرة ذلك الشيء المسمى مسلم بن عقبة المري و أوصى إليه (ادع القوم ثلاثا فإن هم أجابوك و إلا فقاتلهم فإذا ظهرت عليهم فأبحها ثلاثا فما فيها من مال أو رقة أو سلاح أو طعام فهو للجند فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس) ص 484.
ذهب مسلم بن عقبة (فاتحا لمدينة رسول الله) و أنفذ تعليمات سيده و أباحها للجند ثلاثة أيام يقتلون الناس و يأخذون الأموال) ص 491.
أما ابن قتيبة فيروي في كتابه الإمامة و السياسة أن الجيش الأموي الفاتح لمدينة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم (قتل في هذا اليوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ثمانين رجلا و لم يبق بدري بعد ذلك و من قريش و الأنصار سبعمائة و من سائر الناس من الموالي و العرب و التابعين عشرة آلاف و مكث النوح في الدور على أهل الحرة سنة لا يهدءون) ص 216.
ثم أرسل مندوب الشيطان الأموي تقريرا إلى سيده قال فيه (فما صليت الظهر أصلح الله أمير المؤمنين إلا في مسجدهم بعد القتل الذريع و الانتهاب العظيم و أوقعنا بهم السيوف و قتلنا من أشرف لنا منهم و أتبعنا مدبرهم و أجهزنا على جريحهم و انتهبناهم ثلاثا كما قال أمير المؤمنين أعز الله نصره) الإمامة و السياسة ص 218.
هؤلاء من يزعم السفهاء أنهم كانوا من خير القرون و أنهم الفرقة الوحيدة الناجية من النار و هم الذين أسسوا للحملة الإعلامية المضادة ضد أهل البيت و ضد شيعتهم من يومها إلى يومنا هذا حملة عنوانها الأبرز أن هؤلاء الشيعة يسبون صحابة رسول الله و ينتقصونهم و كأن (سب الصحابة) بفرض ثبوت التهمة ....  جريمة تخرج صاحبها من الملة أما إبادتهم و سفك دمائهم و انتهاب أموالهم و الإجهاز على جريحهم و انتهاك حريمهم فلا عليك..... افعلها و أنت مطمئن طالما أنك تترضى عليهم أجمعين و ستجد من خطباء المنابر الندابين من يثني عليك و يترضى عليك و يخترع لك فضائل لم تسمع أنت بها و لا أحد من أهل بيتك!!!.
نواصل قراءة دفتر الفاجعة حيث أُسر في هذا اليوم زيد بن وهب بن زمعة فقال له مندوب الشيطان الأموي بايع فقال له أبايعك على سنة عمر قال اقتلوه قال أنا أبايع !! قال و الله لا أقيلك عثرتك فكلمه مروان بن الحكم لصهر كانت بينهما فأمر بمروان فوجئت عنقه ثم قال بايعوا على أنكم خول "أي عبيد و خدم" ليزيد بن معاوية ثم أمر به فقتل) تاريخ الطبري ج5 ص 493.
ثم دخل مسلم بن عقبة فدعا الناس للبيعة على أنهم خول ليزيد بن معاوية يحكم في دمائهم و أموالهم و أهليهم ما يشاء. تاريخ الطبري ج5 ص 495.
و هكذا تحقق لبني أمية ما أرادوا من الثأر و الانتقام ....   يوم بيوم بدر يوم أن قتل الحسين بن علي عليه السلام و يوم  بيوم فتح مكة يوم أن أطلقهم رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قائلا اذهبوا فأنتم الطلقاء و ها هو يزيد القرود يسترق المسلمين من الصحابة و التابعين و يجبرهم على البيعة على أنهم عبيد له يحكم في أموالهم و أهليهم ما يشاء.
فمن هو المسئول إذا عن الفساد في الأرض أهو الحسين بن علي عليه السلام الذي خرج مضحيا بنفسه و أهل بيته ليحول بين المسلمين و بين هذا المصير الأسود الذي نزل بهم لتخاذلهم عن نصرة الحق و تقاعسهم عن القيام عندما كان يجدي مثل هذا القيام أم المسلمين الذين وقفوا موقف المتفرج و الخاذل لأهل البيت عليهم السلام ثم تحركوا تحركا عشوائيا بعد فوات الأوان فكانت الهزيمة و الخذلان من نصيبهم و لات حين مناص.
أيضا فهذه الواقعة تثبت أمرا بالغ الخطورة و الأهمية و هو أن الشيعة لم يكونوا وحدهم في خندق المعارضة للنظام الأموي بل كانت غالبية الأمة في ذلك الخندق و لم يكن تأخر البعض من هؤلاء الشيعة عن القيام بواجبهم أمرا شاذا فالآخرون أيضا تقاعسوا عن نصرته عليه السلام في الوقت الملائم ثم تحركوا بعد فوات الأوان.
أضف إلى ذلك أن هذه الفاجعة قد أكدت الرؤية الثاقبة لأبي عبد الله الحسين و هي خطورة و فداحة الأثر المترتب على وصول يزيد القرود إلى السلطة و أن الضرر العائد من استقرار حكمه هو ضرر بليغ كان يتحتم الحيلولة دون وقوعه و لم يكن رفض الإمام الحسين لمثل هذا النظام نابعا من رؤية متشددة كما يدعي السفهاء المتفيهقون المتسلطون على حياتنا الثقافية و الدينية فلو أن الحسين عليه السلام لم يتخذ ذلك الموقف موقف الرفض الشجاع قائلا (مثلي لا يبايع مثله...... على الأمة السلام إذا ابتليت براع مثل يزيد) لادعى هؤلاء المهرجون أن أهل البيت لم يكن لهم مواقف إيجابية من قضايا الأمة و لطرحوا السؤال المضاد (لماذا لم يتحرك الإمام الحسين لوقف الانتهاكات الأموية لحقوق الإنسان بينما تحرك فلان و فلان و وفد الاتحاد الأوربي و منظمات حقوق الإنسان!!!؟؟؟).
لقد كان تحرك الإمام الحسين عليه السلام السياسي عملا استشهاديا يهدف للحيلولة دون تمكن ذلك النظام الأموي القمعي من جز رقاب المسلمين و استعبادهم و هو ما ثبت صحته بشكل قاطع بعد ذلك  فيما تعرض له المسلمون عامة و أهل المدينة خاصة من عدوان أموي على أبسط القيم الإنسانية و الأخلاقية و إذا كان ابن مرجانة الفاسق قد وصف يزيد بالفاسق فما هي حقيقته إذن؟؟!!!     و أخيرا جاءت تلك الأحداث لتثبت صحة و صوابية الوقفة الحسينية و أن اللوم كل اللوم يقع على من خذلوه من المسلمين و أكرر من المسلمين أيا كان تصنيفهم أو انتماؤهم المذهبي بعد ذلك شيعة كانوا أم سنة.

 

 

 

 

 

 

 



مسلم بن عقبة يواصل مسيرته الإجرامية

 

 

 

 

 

 

 


ذلك الوحش مصاص الدماء أطلقه يزيد القرود ليسفك دماء المسلمين و يهتك أعراضهم و  هاهو يتوجه إلى مكة المكرمة ليواصل مسيرته (الظافرة) و في الطريق نزل به الموت فبعث إلى رؤوس الأجناد فقال (إن أمير المؤمنين عهد إلي إن حدث في حدث الموت أن أستخلف عليكم حصين بن نمير السكوني و الله لو كان الأمر إلي ما فعلت و لكن أكره معصية أمير المؤمنين عند الموت ثم دعا به فقال يا برذعة الحمار احفظ ما أوصيك به عم الأخبار و لا ترع سمعك قريشا أبدا و لا تردن أهل الشام عن عدوهم و لا تقيمن إلا ثلاثا حتى تناجز ابن الزبير الفاسق ثم قال اللهم إني لم أعمل عملا قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا عبد الله و رسوله أحب إلي من قتلي أهل المدينة و لا أرجى عندي في الآخرة) تاريخ الطبري ج5 ص 496-497.
ثم قام الجيش الأموي اليزيدي بقصف الكعبة بالمنجنيق و حرقوه بالنار و هم يرتجزون:

خطارة مثل الفنيق المزبد   نرمي بها أعواد هذا المسجد.

و جعل عمرو بن حوط السدوسي يقول

كيف ترى صنيع أم فروة   تأخذهم بين الصفا و المروة
ص 498.
و لا أدري لماذا يحتج أحفاد هؤلاء على شارون و هو يقصف المدنيين الفلسطينيين و ينتهك المحرمات و ما هو الفارق بينه و بينهم؟؟.
إذن فلم تكن المقاومة التي نشبت في وجه الشيطان الأموي كلها شيعية حتى يقال أن خروج الإمام الحسين بن علي عليه السلام و استشهاده قد فتح الشهية الشيعية للرفض والتمرد حيث تشهد هذه الأحداث و الوقائع على أن الرفض الجماهيري للسياسات الأموية كان عاما و إن تفاوتت الوسائل و القدرات التنظيمية بين الشيعة و غيرهم و لم يكن الأمر مجرد خلاف مذهبي أو فقهي حول نكاح المتعة أو سب الصحابة كما يزعم الجهلة و البسطاء المكلفون بتوسيع رقعة النزاع و الشقاق بين المسلمين و الثابت أن السلوك السياسي للشيعة قديما و حديثا قام على استراتيجية توحيد المسلمين و الدفاع عن مصالح المجموع و إن تناقض ذلك في بعض الأحيان مع مصلحة الطائفة.
لا عجب أيضا أن يكون الشيعة في مقدمة المعارضين للسياسات الأموية و هي معارضة لم تنشأ من مجرد رغبة عارمة في الاستيلاء على السلطة أو أطروحة نظرية مهما كلف ذلك من تضحيات كان الناس في حل من تقديمها و هو ما شاهدناه في زماننا هذا من تحركات فوضوية لمن يطلقون على أنفسهم جماعة إسلامية استبيحت فيها الحرمات ثم لحقت بهم الهزيمة و عادوا يجرون أذيال التراجع الفكري و العملي بل كانت الدواعي للتحرك في أساسها دواع عملية واقعية …. هذا أو الدمار و هو ما أثبتته الأيام بعد ذلك.
كانت جريمة هدم الكعبة بعد قصفها بالمدفعية الثقيلة هي خاتمة جرائم يزيد القرود و كانت المسافة الزمنية بين تلك الفاجعة و هلاكه عليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين إحدى عشر ليلة لا غير حيث أحرق جيشه المشئوم الكعبة المشرفة يوم السبت الثالث من ربيع الأول عام أربعة و ستين للهجرة و كان هلاكه عليه لعنة الله لأربع عشر ليلة خلت من نفس الشهر و هو ابن ثمان و ثلاثين سنة و كانت ولايته المشئومة ثلاث سنين و ستة أشهر و في رواية و ثمانية أشهر إلا ثمان ليال. تاريخ الطبري.

ما بعد يزيد:
انفراط العقد الأموي

 

 

 

 

 

 

 

هلك اللعين و بويع بعده لمعاوية بن يزيد الذي لم يبق على قيد الحياة  إلا ثلاثة أشهر بعد بيعته و في رواية أربعين يوما ما بين بيعته و مقتله على أيدي قتلة بني أمية.
سكت ابن جرير الطبري عن سبب موته المفاجئ و لم يتعرض لتفاصيل الواقعة التي ذكرها ابن قتيبة في تاريخه المسمى بالإمامة و السياسة حيث قال ( أنه خرج بعد شهرين من ولايته فجمع الناس فحمد الله و أثنى عليه ثم قال أيها الناس إني نظرت بعدكم فيما صار إلي من أمركم و قلدته من ولايتكم فوجدت ذلك لا يسعني فيما بيني و بين ربي أن أتقدم على قوم فيهم من هو خير مني و أحقهم بذلك و أقوى على ما قلدته فاختاروا مني إحدى خصلتين إما أن أخرج منها و أستخلف عليكم من أراه لكم رضا و مقنعا و لكم الله علي أن لا آلوكم نصحا في الدين و الدنيا و إما أن تختاروا لأنفسكم و تخرجوني منها قال فأنف الناس من قوله و أبوا من ذلك و خافت بنو أمية أن تزول الخلافة منهم فقالوا ننظر في ذلك يا أمير المؤمنين و نستخير الله فأمهلنا فقال لكم ذلك و عجلوا علي…… قال فلم يلبثوا أياما حتى طعن فدخلوا عليه فقالوا له استخلف على الناس من تراه لهم رضا فقال عند الموت تريدون ذلك؟؟ لا و الله لا أتزودها ما سعدت بحلاوتها فكيف أشقى بمرارتها؟؟ ثم هلك رحمه الله و لم يستخلف أحدا فلما دفن معاوية بن يزيد و سوي عليه التراب و بنو أمية حول قبره قال مروان بن الحكم إنه لأبو ليلى الملك بعد أبي ليلى لمن غلبا و ماج بنو أمية و اختلفوا.
الإمامة و السياسة ج2 ص 13.
هؤلاء هم بنو أمية الذين يزعم الزاعمون أنهم قتلوا الحسين لأنه خرج عليهم و أبادوا أهل المدينة و انتهكوا أعراضهم لأنهم تمردوا عليهم !!! ها هم يقتلون واحدا منهم لأنه صارحهم بحقيقتهم المرة و هي أنهم لا يستحقون ولاية هذه الأمة و لا التقدم على من هم أفضل منهم فقتلوه سما أو طعنا لا يهم المهم أن تبقى أظفارهم ناشبة في دماء الأمة يمتصون خيراتها و يوجهونها لمتعتهم و ملاذهم و القانون هو قانون الغاب قانون البقاء أما القيادة فهي لمن يستطيع الحفاظ على مصالح تلك المجموعة الصغيرة من اللصوص و مصاصي الدماء تلك القيادة التي لا تملك عادة الكثير من السلطة و الاستقلالية في مواجهة جماعة المستفيدين و هم القادرون على القتل و التآمر حفاظا على مصالحهم و تنمية لثرواتهم  المنهوبة من رحيق الأمة و الملك بعد و قبل أبي ليلى لمن غلبا.
و هكذا فقد انفرط العقد الأموي و هذه المرة كان الانفراط مؤقتا و لكنه يثبت أن الرفض الحسيني كان مبدأيا و أخلاقيا ولم يكن انفعالا طارئا و لا افتعالا لمعركة كان يمكن الاستغناء عنها بينما كان الصراع الأموي الأموي صراعا لا أخلاقيا فلماذا لا يصبح من حق المصلحين الرفض و مقاومة الظلم بينما يعتبر الصراع السلطوي عملا حميدا فوق مستوى النقد؟؟.

 

 

 

 

 


اشتعال الصراع على السلطة
هلك يزيد و جيشه المشئوم يحاصر ابن الزبير و جيشه بمكة المكرمة ذلك الحصار الذي استمر أربعين يوما ثم جاء الخبر إلى ابن الزبير و أصحابه فصاح بهم ابن الزبير قائلا (إن طاغيتكم قد هلك فمن شاء منكم أن يدخل فيما دخل فيه الناس فليفعل ومن كره منكم فليلحق بشامه) تاريخ الطبري ج5 ص 501.  
فبعث الحصين بن نمير إلى عبد الله بن الزبير فقال له موعد ما بيننا و بينك الليلة الأبطح فالتقيا فقال له الحصين إن يك هذا الرجل قد هلك فأنت أحق الناس بهذا الأمر هلم فلنبايعك ثم اخرج معي إلى الشام فإن هذا الجند الذين معي هم وجوه أهل الشام و فرسانهم فو الله لا يختلف عليك اثنان و تؤمن الناس و تهدر هذه الدماء التي كانت بيننا و بينك و التي كانت بيننا و بين أهل الحرة) الطبري ج5 ص 502.
لم يقبل ابن الزبير ذلك العرض و خاف أن يخرج من مكة ثم ندم على ما صنع و أرسل إلى الحصين (إما أن أسير إلى الشام فلست فاعلا و أكره الخروج من مكة و لكن باعوا لي هنالك فإني مؤمنكم و عادل فيكم).
لم تكن لمقترحات ابن الزبير أي صدى أو استجابة و قد فاته أن الشعار الأموي الدائم هو (الملك بعد أبي ليلى لمن غلبا) لا (لمن جلس في الحرما) مؤملا أن تأتيه البيعة عبر وكلاء على شاكلة الحصين بن نمير السكوني و جيشه المشئوم الذي دمر الكعبة و هو يغني ….. كان من الواضح أن ابن الزبير و قد احتفظ لنفسه بحق اختيار ساحة المعركة و لو كانت بيت الله الحرام يريد السلطة و الخلافة شريطة أن تأتي إليه بدلا من أن يذهب هو إليها و هيهات هيهات فقد كان واضحا أن  الأوضاع الحزبية و القبلية الفاسدة لن تعطيه الفرصة ليعلو نجمه أكثر مما علا فلا هو يمتلك المقومات الأخلاقية و الدينية التي امتلكها الحسين بن علي و بقية أهل بيت النبوة و لا هو يمتلك ذلك الرصيد القبلي العنصري الذي امتلكه بنو أمية في تعصبهم و تلاحمهم القبلي …. إنه رجل ذو طموح سياسي كبير و إمكانات سياسية متواضعة لا ترقى إلى مستوى ذلك الطموح.


عبيد الله بن زياد يفلت برأسه و بما نهب من أموال المسلمين:
حتى حين!!
(و كذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون) سورة الأنعام
لم يكن (توحد) الناس و انصياعهم للسلطة الأموية القمعية نابعا من رغبة أو اختيار بل تفاوتت الأسباب ما بين الخوف من القتل و القهر الذي يمارسه هؤلاء الجبابرة في حق كل من خالفهم أو الطمع في أعطياتهم و رشاويهم أو البغض لأهل بيت العصمة و النبوة و الطهارة الذين مثلوا القيم المناقضة للقيم الأموية المتسيدة في هذه المرحلة إنه كما أسلفنا إسلام البداوة في مواجهة إسلام الحضارة و بقدر ما ترتقي البشرية عامة و الأمة الإسلامية عامة في سلم الرقي و الحضارة الحقيقية فإن هذا يعد إيذانا بإمكانية اقترابها من منهج أهل البيت عليهم السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا و من فهمهم للإسلام.
كان عبيد الله بن زياد بن أبيه وفي رواية ابن سمية وفي رواية ابن عبيد واليا لبني أمية على الكوفة و البصرة وقد ورث الوحشية والدموية عن أبيه زياد وأمعن في قتل كل من يشك في ولائه للقبيلة الحاكمة والتهمة دائما كانت جاهزة بأنه من جماعة الخوارج (فقتل منهم جماعة صبرا وفي الحرب جماعة أخرى) تاريخ الطبري ج5 ص 312 وإذا كان من السهل تبرير قتل المحاربين فما هو المنطق والمبرر لقتل المساجين والأسارى بعد إدانة أفكارهم ناهيك عن أنه قتل الحسين بن علي وبذلك أصبح المجرم الأكبر في تاريخ البشرية لا ينازعه في هذه المرتبة إلا أبو جهل و أبو لهب و النمروز.
لقد ظن طغاة بني أمية أن مخزون قوتهم و جبروتهم غير قابل للنفاذ فأفرطوا في استخدام تلك القوة و ذلك البطش و الجبروت و لكن تلك الأيام نداولها بين الناس و الله يؤتي ملكه من يشاء و ينزعه ممن يشاء و يعز من يشاء و يذل من يشاء و كل الملوك إلى زوال.
و هكذا دارت الأيام دورتها و هلك يزيد بعد أن دخلت العلاقة بينه و بين ابن زياد في أزمة بعد أن أحس كل امرئ منهم ببشاعة ما ارتكبه من جرم و بعد أن أراد يزيد أن يحمل المسئولية لابن مرجانة فقال (لعن الله ابن مرجانة فقد بغضني إلى المسلمين بقتله للحسين وزرع لي في قلوبهم العداوة فبغضني البر والفاجر بما استعظم من قتلي حسينا ما لي وابن مرجانة لعنه الله وغضب عليه) تاريخ الطبري ج5 ص 506.
هل كان قتل الحسين بن علي عليه السلام و ما ترتب عليه من آثار هو السبب في بغض يزيد لابن مرجانة لا أظن و لكنني أعتقد أن السبب الحقيقي لذلك هو امتناع ذلك اللعين عن تنفيذ آخر المهام القذرة التي نفذها يزيد و هي قمع أهل المدينة ثم تدمير الكعبة المشرفة.
ما لبث أن هلك يزيد وانتشر النبأ بين المسلمين وكاد العقد الأموي أن ينفرط و تنفرط معه الوحدة السياسية الظاهرية التي عاشتها الأمة الإسلامية تحت القيادة الأموية و يذهب معها كل الحجج و الادعاءات و الشعارات الوهمية التي حاول بها الأولون تسويغ ما لحق بأهل البيت عليهم السلام من هضم و حرمان من كافة حقوقهم المالية و الأدبية و سار على دربهم رجال السيرك الثقافي الذي ما زال منصوبا حتى الآن الذين ما زالوا يرددون في عهد الحرية و الديمقراطية و حقوق الإنسان نفس النغمة المنحطة و البائسة (لماذا خرج الحسين و قد نصحه أبو هريرة!!! لماذا خرج الحسين و قد خذله الشيعة) مع أنهم يقولون لنا أن الأمة الإسلامية كانت قد بلغت أرقى مراحل التطور الشوروي الديمقراطي يوم أن بايعت من بايعت في سقيفة بني ساعدة؟! وأن أهل السنة والجماعة (كل من عدا الشيعة أيا كان معتقدهم الديني أو السياسي أو مذهبهم الفقهي!!!) هم من أسس الديمقراطية في العالم كله!! و أنهم يؤمنون باختيار الإمام على عكس الشيعة الذين يتوهمون بأن النص الإلهي يلغي الاختيار البشري و يتجاهلون عن عمد أو غباء أن الحسين بن علي عليه السلام كان قد ذهب إلى الكوفة استجابة لبيعة جماهيرية شارك فيها الشيعة وغيرهم إذ لا وسيلة لإثبات عقيدة من بايع للحسين عليه السلام وليس أمامنا إلا أن نقول أنهم من المسلمين وكفى وأن من بين من أرسلوا ببيعتهم للإمام الحسين أغلب قيادات الجيش الأموي الذين حاصروه بعد ذلك و قاتلوه.
و الأهم من هذا أن تكرارهم لنفس التساؤلات الاستنكارية البلهاء ينفي عنهم كل الادعاءات الديمقراطية و يثبت لهم شيئا واحدا هو بغضهم لأهل البيت و شيعتهم و رغبتهم الجامحة في تخطيئهم و تحميلهم وزر ارتكاب الأمويين لجريمتهم الشنعاء .... أيها السادة أنتم أمويون حتى النخاع.
هلك يزيد و بلغ الخبر  إلى أهل البصرة فقام ابن زياد خطيبا فيهم قائلا (يا أهل البصرة انسبوني فو الله لتجدن مهاجري ومولدي وداري فيكم و لقد وليتكم و ما أحصى مقاتلتكم إلا سبعين ألف مقاتل ولقد أحصى اليوم ديوان مقاتلتكم ثمانين ألفا وما تركت فيكم ذا ظنة أخافه عليكم إلا و هو في سجنكم هذا و إن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية قد توفي و قد اختلف أهل الشام و أنتم اليوم أكثر الناس عددا و أعرضه فناء و أغناه عن الناس و أوسعه بلادا فاختاروا لأنفسكم رجلا ترضونه لدينكم و جماعتكم فأنا أول راض من رضيتموه و تابع فإن اجتمع أهل الشام على رجل ترتضونه دخلتم فيما دخل فيه المسلمون و إن كرهتم ذلك كنتم على جديلتكم حتى تعطوا حاجتكم فما بكم إلى الناس حاجة وما يستغني الناس عنكم) فقامت خطباء أهل البصرة فقالوا قد سمعنا مقالتك أيها الأمير و إنا و الله ما نعلم أحدا هو أقوى عليها منك فهلم فلنبايعك فقال لا حاجة لي في ذلك فاختاروا لأنفسكم فأبوا عليه و أبى عليهم حتى كرر عليه ذلك ثلاث مرات فلما أبوا بسط يده فبايعوه ثم انصرفوا بعد البيعة و هم يقولون لا يظن ابن مرجانة أنا ننقاد له في الجماعة و الفرقة كذب و الله ثم وثبوا عليه) تاريخ الطبري ج5 504-505.
و يروي الطبري أيضا أنهم (لما خرجوا من عنده جعلوا يمسحون أكفهم بباب الدار و حيطانه و يقولون ظن ابن مرجانة أنا نوليه أمرنا في الفرقة فأقام عبيد الله بن زياد غير كثير حتى جعل سلطانه يضعف ويأمرنا بالأمر فلا يقضى ويرى الرأي فيرد عليه ويأمر بحبس المخطئ فيحال بين أعوانه و بينه) الطبري ص 507.
ثم ازدادت أوضاعه سوءا بظهور من يدعو لابن الزبير في قلب البصرة و لما أراد ابن زياد أن يلقي القبض عليه لم يتمكن من ذلك و أحس ابن مرجانة أن أيامه في السلطة قد انتهت فقرر أن يرحل و أخذ معه كل ما كان في بيت مال البصرة من أموال المسلمين التي قدرت بستة عشر مليونا فرق طائفة منها في بني أبيه و حمل الباقي معه و ترك الناس بعضهم يموج في بعض و خرج لم يعد وإن أردت الدقة فقد حاول العودة بعد ذلك فكان هلاكه وحتفه على يد الثوار الموالين لأهل بيت النبوة بقيادة إبراهيم بن الأشتر كما سيرد فيما بعد. الطبري ح5 ص 511.


جبار على حمار!!
خرج ابن زياد هاربا من البصرة إلى الشام فقال لمرافقيه إنه قد ثقل علي ركوب الإبل فوطئوا لي على ذات حافر فألقيت له قطيفة على حمار فركبه.. قال الراوي إنه ليسير أمامي إذ سكت سكتة فأطالها فقلت في نفسي هذا عبيد الله أمير العراق أمس نائما لأنغصن عليه نومه فدنوت منه فقلت أنائم أنت قال لا قلت فما أسكتك قال كنت أحدث نفسي قلت أفلا أحدثك ما كنت تحدث به نفسك قال هات فو الله ما أراك تكيس ولا تصيب قال الراوي قلت له كنت تقول ليتني لم أقتل الحسين قال وماذا؟؟ قلت تقول ليتني لم أكن قتلت من قتلت قال وماذا قلت كنت تقول ليتني لم أكن بنيت البيضاء قال وماذا قلت ليتني لم أكن استعملت الدهاقين قال و ماذا قلت ليتني كنت أسخى مما كنت قال و الله ما نطقت بصواب و لا سكت عن خطأ أما الحسين فإنه سار إلي يريد قتلي فاخترت قتله على أن يقتلني و أما البيضاء فإني اشتريتها من عبد الله بن عثمان الثقفي و أرسل يزيد بألف ألف فأنفقتها عليها  فإن بقيت فلأهلي و إن هلكت لم آسى عليها مما لم أعنف فيه و أما استعمال الدهاقين فإن عبد الرحمن بن أبي بكرة و زادان فروخ وقفا عند معاوية حتى ذكروا قشور الأرز فبلغا بخراج العراق مائة ألف ألف فخيرني معاوية بين الضمان و العزل فكرهت العزل فكنت إذا استعملت الرجل من العرب فكسر الخراج فتقدمت إليه و أوغرت صدور قومه أو أغرمت عشيرته أضررت به و إن تركته تركت مال الله و أنا أعرف مكانه فوجدت الدهاقين أبصر بالجباية وأوفى بالأمانة و أهون في المطالبة منكم مع أني قد جعلتكم أمناء عليهم لئلا يظلموا أحدا و أما قولك في السخاء فوالله ما كان لي مال فأجود به عليكم و لو شئت لأخذت بعض مالكم فخصصت به بعضكم دون بعض و يقولون ما أسخاه و لكني عممتكم  وكان عندي أنفع لكم و أما قولكم ليتني لم أكن قتلت من قتلت فما عملت بعد كلمة الإخلاص عملا هو أقرب إلى الله عندي من قتلي من قتلت من الخوارج و لكني سأخبرك بما حدثت به نفسي قلت ليتني كنت قاتلت أهل البصرة فقد أعطوني طاعتهم غير مكرهين وأيم الله لقد حرصت على ذلك ولكن بني زياد أتوني فقالوا إنك إذا قتلتهم فظهروا عليك لم يستبقوا منا أحدا وإن تركتهم تغيب الرجل منا عند أخواله وأصهاره فرفقت لهم فلم أقاتل وكنت أقول ليتني كنت أخرجت أهل السجن فضربت أعناقهم فأما إذا فاتت هاتان فليتني كنت أقدم الشام و لم يبرموا أمرا) الطبري ج5 ص 522-523.
يكشف هذا الحوار عن طبيعة النظام الأموي و كيفية تصرفه في شئون المسلمين فضلا عن طبيعة مؤيديه من مهرجي السيرك الأموي إلى يومنا هذا مهما ارتدوا ثياب العلم و الدين و الاستنارة فالرجل الذي استولى على ستة عشر مليونا من أموال المسلمين ثم وضعها في جيبه و مضى كان قد مارس سلوكا ترفيا مستفزا لجمهور المسلمين و بنى قصرا للإمارة أنفق على تجديده مليونا واحدا لا غير و سلط هؤلاء الدهاقين على الناس لجباية الأموال كبديل عن العرب و المسلمين حتى لا تأخذهم بالناس شفقة و لا رحمة و الهدف هو توريد مبلغ مائة ألف ألف أي مائة مليون دينار للخزينة الأموية العامة فماذا يبقى للناس إذا؟؟.. هؤلاء الناس الذين وقعوا فريسة لوحوش نزعت الرحمة من قلوبهم و لك أن تتخيل القيمة الحقيقية لهذه الأموال في تلك الأيام الخوالي حيث لم يكن الناس يعرفون كلمة التضخم حتى أن هذا الوحش كان مستنكرا لتقدير خراج العراق بهذا المبلغ الباهظ بينما ينفق هو على تجديد قصره مليونا واحد أي واحدا بالمائة من ميزانية العراق فما بالك بما ينفقه الطاغية القابع في عاصمة الخلافة الأموية؟؟.
أما عن إمعانه في قتل من أسماهم بالخوارج فهذا يكشف أيضا أن المصيبة لم تكن مصيبة أهل البيت عليهم السلام وحدهم بل كانت مذبحة عامة عاشتها الأمة المسلمة المنكوبة بهؤلاء الظلمة و الجبابرة و تأمل معي في اعترافات ذلك السفاح الذي لم يندم قط على قتل من قتل بل ندم على أنه لم يقتل المزيد و المزيد من هؤلاء المتهمين بأنهم من الخوارج فهو يقول (فما عملت بعد كلمة الإخلاص عملا هو أقرب إلى الله عندي من قتل من قتلت من الخوارج) أي إخلاص هذا الذي يدعيه السفاح؟؟.
و قد قدر عدد قتلى آل زياد (بثلاثة عشر ألف) الطبري ج5 ص 525 و قد حبس عبيد الله بن زياد منهم (أربعة آلاف) و لم يندم ذلك الوحش على شيء مما فعله فيهم بل ختم تصريحاته لليشكري (الراوي) بإعلان ندمه على عدم إجهازه على ما تبقى من هؤلاء الأسرى و أبدى أسفه على أنه لم يقاتل أهل البصرة الذين نفضوا أيديهم منه و من ولايته المشئومة عندما مسحوها بالحيطان و كأنهم يطهرونها بذلك من النجاسة التي لحقت بهم نتيجة لهذه البيعة الفاسدة لنائب الطاغية الذي لم يكن ليستحق إلا القتل أو السحل في شوارع الكوفة و مع ذلك خرج (المسكين) حزينا لأنه لم يقتل ما يكفي لشفاء صدره المريض من البشر بالرغم من أنه نهب بيت مال المسلمين و خرج و معه ستة عشر مليونا بالتمام و الكمال.
ثم يأتي إلينا مهرجو السيرك الأموي الفكري و يقولون لنا أن الشيعة هم الذين فتحوا أبواب العنف و التنظيمات السرية المسلحة و الاغتيالات في مواجهة بني أمية (رضي الله عنهم!!) حماة الفضيلة و رموز العدالة و مثال التسامح و يتعجبون كيف خرج الحسين بن علي عليه السلام عليهم بالرغم من نصح الناصحين و خاصة أبي هريرة!!.
إنهم في كلامهم هذا لا يخرجون عن واحد من أمرين إما أنهم جهلة جهلا مطلقا بالحقيقة و التاريخ و الاحتمال الثاني أنهم مجموعة من المزورين الذين يعرفون الحقيقة كاملة و يرغبون أن تبقى الجماهير مغيبة عن الفهم و الوعي لأن هذا يصب في مصلحة الدول الداعمة و التي تقدم لهم التبرعات و الهبات تلك الدولة صاحبة المصلحة الأولى و الأخيرة في تشويه صورة الشيعة و التشيع لأن هذا يضر بمشروعها السياسي القائم على نفس المنهج الأموي السياسي (ملكية إسلامية في القرن العشرين و الحادي و العشرين) ذلك المنهج التسلطي الذي يعيش كالطحالب على ذلك المنطق الأيديولوجي المفكك التي تسعى  من خلال ترويجه و تسويقه للهيمنة على العالم الإسلامي و تطويع ذلك العالم ليصبح في خدمة أحلامها و أوهامها بتفوق و سيادة سياسية زائفة تصب في النهاية في خدمة الإمبريالية الأمريكية!!.
إن كل هذا الخراب و الدمار الذي عاشه المسلمون في ظل الحكم الأموي يثبت أن مواقف أهل البيت عليهم السلام الرافضة لإسباغ الشرعية على هذا النظام المنحط لم تكن تصدر عن رغبة في تعزيز موقف (الطائفة) في مقابل مجموع المسلمين و إنما من حرص على الدفاع عن مجموع الأمة و استعادة حقها المصادر في الحرية الإنسانية و العدالة الاجتماعية ذلك الحق الذي ما زال مصادرا إلى يومنا هذا و لم يكن شيعة أهل البيت عليهم السلام يوما ما طائفيين أو عنصريين و حتى عندما اضطروا للانعزال و التقوقع فإن هذا كان واقعا مفروضا عليه و لم يختاروه بملء إرادتهم.


اشتعال الصراع على السلطة:
هلك يزيد و جيشه يحاصر الكعبة و بدا واضحا أن الدولة الإسلامية تعاني فراغا هائلا في السلطة و يبدو أن الكلمات التي أطلقها معاوية بن يزيد و التي تسقط الشرعية عن الخلافة الأموية قد تناقلتها الألسنة و بدأت تحدث مفعولها في إيقاظ الضمائر التي جرى تغييبها في الفترة السابقة…. تقدم قائد الجيش اليزيدي المحاصر للكعبة عارضا على ابن الزبير أن يبايع له هو و وجوهه جيشه و أن يصحبه إلى الشام ليأخذ له بيعة من بقي منهم هناك.
و كان الرفض هو نصيب هذا الاقتراح و يبدو أن ابن الزبير كان قد أصيب بعقدة نفسية نتيجة فشل مغامرته السابقة في مواجهة الإمام علي عليه السلام في معركة الجمل فأصر على أن يبقى متحصنا بالكعبة المشرفة و بيت الله الحرام و مرتهنا لها.
عبد الله ابن الزبير و بغلات معاوية الشهب:
روى ابن أبي الحديد نقلا عن أبي الفرج الأصفهاني قال (كانت صفية بنت مسعود الثقفي زوجة لعبد الله بن عمر بن الخطاب فذهب عبد الله بن الزبير إليها و ذكر أن خروجه كان غضبا لله عز و جل و لرسوله صلى الله عليه و آله و للمهاجرين و الأنصار من أثرة معاوية بن أبي سفيان و ابنه بالفيء و طلب منها أن تسأل زوجها عبد الله بن عمر أن يبايعه فلما قدمت له عشاءه ذكرت أمر ابن الزبير و عبادته و اجتهاده و أثنت عليه و قالت أنه يدعو لطاعة الله عز و جل و أكثرت القول في ذلك فقال ويحك أما رأيت البغلات الشهب التي كان يحج عليها معاوية و تقدم إلينا من الشام قالت بلى قال و الله ما يريد ابن الزبير بعبادته غيرهم) تاريخ الطبري ج4 ص 496.
كان هذا رأي عبد الله ابن عمر في عبد الله بن الزبير و كلاهما من (العبادلة المعتمدين) كما يقول خطباء المنابر و هو رأي يكشف عن معرفة عميقة بخلفية الرجل النفسية و الفكرية و طموحاته السلطوية التي جعلت منه مصارعا للفوز بكأس البغلات الشهب التي كان يركبها معاوية بن أبي سفيان........ و كما حدث الرواة أن ابن الزبير (أظهر الزهد في الدنيا و ملازمة العبادة مع الحرص على الخلافة) كما يحكي عنه (المسعودي) في مروج الذهب الذي روى أيضا عن الضحاك بن فيروز الديلمي:

تخبرنا أن سوف تكفيك قبضة    و بطنك شبر أو أقل من الشبر
و أنت إذا ما نلت شيئا قضمته   كما قضمت نار الغضا حطب الصدر
فلو كنت تجزي أو تثيب نعمة     قريبا لردتك العطوف على عمرو

قال المسعودي هو عمرو بن الزبير أخوه ضربه حتى مات.

و ما زال النقل للمسعودي (ثم إن عبد الله بن الزبير جمع بني هاشم كلهم في شعب عارم و أراد أن يحرقهم بالنار فجعل في فم الشعب حطبا كثيرا فأرسل المختار بن عبيد الثقفي أبا عبد الله الجدلي في أربعة آلاف فارس فقال أبو عبد الله لأصحابه إن بلغ ابن الزبير الخبر عجل على بني هاشم فانتدب نفسه في ثمانمائة فارس فما شعر بهم ابن الزبير إلا و الرايات تخفق بمكة فأخرج الهاشميين منه و هرب ابن الزبير فلاذ بأستار الكعبة فنهاهم محمد بن الحنفية عن طلبه و عن الحرب ....             قال المسعودي.... و كان عروة بن الزبير يعذر أخاه عبد الله في حصر بني هاشم في الشعب و جمعه الحطب ليحرقهم بقوله إنما أراد بذلك أن لا تنتشر الكلمة و لا يختلف المسلمون و أن يدخلوا في الطاعة فتكون الكلمة واحدة كما فعل عمر بن الخطاب ببني هاشم لما تأخروا عن بيعة أبي بكر فإنه أحضر الحطب ليحرق عليهم الدار) !!! و كأن إذلال أهل البيت و قمعهم و التشفي من شيعتهم كان و لا زال  هو الأساس الأهم لوحدة المسلمين الشكلية تلك الوحدة التي بقيت في حقيقة الأمر كرماد اشتدت به الريح مع أول هبة لها و لا زال الكثير من السائرين على درب أسلافهم يحلمون بوحدة و قوة و منعة شريطة استبعاد آل بيت النبوة و الحكمة و هيهات هيهات.
لم يكن هذا المنهج اللاإنساني و اللاأخلاقي الذي اتبعه ابن الزبير في حق أهل بيت العصمة و النبوة و الطهارة الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا جديدا عليه فقد سبقت للرجل سلسلة من المواقف المشابهة أثناء تمرده على إمام الحق علي بن أبي طالب عليه السلام  في موقعة الجمل حيث ارتكب كما مفزعا من جرائم القتل أثناء حملته المعادية لإمامة علي بن أبي طالب و المتطلعة للسلطة منذ ذلك اليوم حيث قتل حراس بيت مال المسلمين ذبحا كما تذبح الشياه ناهيك عن دوره في تأجيج نيران تلك الحرب المؤامرة على الإسلام و على الأمة و قد روى ابن عبد البر الأندلسي في كتابه الاستيعاب (قالت عائشة إذا مر ابن عمر فأرونيه فلما مر قالوا هذا ابن عمر فقالت يا أبا عبد الرحمن ما منعك أن تنهاني عن مسيري قال رأيت رجلا قد غلب عليك و رأيتك لا تخالفينه فقالت أما أنك لو نهيتني ما خرجت) ؟؟!!. عجيب أمر هؤلاء البشر الذين لم ينههم وجود علي بن أبي طالب عليه السلام وصي رسول رب العالمين على رأس الشرعية الإسلامية و هو الذي صبر و صمت و تحمل الإبعاد السياسي و لم يتمرد على من اغتصبوا موقعه الذي فرضه الله له و عندما اجتمعت الأمة على إمامته تحركت تلك القلوب المملوءة بالكراهية و الحقد لتدمر كل شيء ثم جاؤا عشاء يبكون يتساءلون فيما بينهم لماذا لم تنهني عن الخروج؟؟؟!!.
من هنا فليس لدينا أدنى شك في صحة ما أسنده إليه ابن عمر من صفات و من تحليل لأهداف الرجل و لغاياته .... إنه تحليل لم يأت من فراغ فكيف يكون الرجل إذا من طلاب الحق أو العدل و هو صاحب النصيب الأكبر في إشعال هذه الحروب و سفك الدماء التي حرمها الله إلا بالحق .........و الأهم من هذا كله أن الرجل و من خلال حروب الاستنزاف هذه التي شنها ضد معسكر الحق كان بذلك من كبار الممهدين لمجيء الدولة الأموية الكسروية التي أذلت العباد و أفسدت في البلاد و التاريخ شاهد ناطق لكل امرئ بما له أو عليه.... فلا عجب إذا و قد وجد الرجل الفرصة أن يجاهر بعداوته لأهل بيت العصمة و النبوة حتى وصل به الحال أن امتنع عن ذكر رسول الله صلى الله عليه و آله في خطبته فاستعظم الناس ذلك فقال إني لا أرغب عن ذكره و لكن له أهيل سوء إذا ذكرته أتلعوا رؤوسهم أو أعناقهم فأنا أحب أن أكبتهم) ؟؟؟!!! شرح النهج ج 4 ص 489.
و اتساقا مع نهجه السلطوي المعادي لأهل البيت عليهم السلام فقد أمر بنفي عبد الله بن عباس من مكة إلى الطائف و في طريقه إلى المنفى مر (بنعمان) فنزل و صلى ركعتين ثم رفع يديه يدعو (اللهم إنك تعلم أنه لم يكن بلد أحب إلي من أعبد الله فيه من البلد الحرام و أنني لا أحب أن تقبض روحي إلا فيه و إن ابن الزبير أخرجني منه ليكون الأقوى في سلطانه اللهم فأوهن كيده و اجعل دائرة السوء عليه).
فلما دنا من الطائف تلقاه أهلها فقالوا مرحبا يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه و آله أنت و الله أحب إلينا ممن أخرجك هذه منازلنا تخيرها فانزل منها حيث أحببت منزلا منزلا فكان يجلس إليه أهل الطائف بعد الفجر و بعد العصر فيتكلم بينهم فيحمد الله و يثني عليه و يذكر النبي صلى الله عليه و آله و الخلفاء بعده فيقول ذهبوا فلم يدعوا أمثالهم و لا أشباههم و لا من يدانيهم و لكن بقي أقوام يطلبون الدنيا بعمل الآخرة و يلبسون جلود الضأن تحتها قلوب الذئاب و النمور ليظن الناس أنهم من الزاهدين في الدنيا يراءون الناس بأعمالهم و يسخطون الله بسرائرهم فادعوا الله أن يقضي لهذه الأمة بالخير و الإحسان فيولي أمرها خيرها و أبرارها و يهلك فجارها و أشرارها ارفعوا أيديكم إلى ربكم و سلوه ذلك فيفعلون فبلغ ذلك ابن الزبير فكتب إليه: أما بعد فقد بلغني أنك تجلس بالطائف العصرين فتفتيهم بالجهل تعيب أهل العقل و الحلم و إن حلمي عليك و استدامتي فيأك جرآك علي فاكفف لا أبا لك لغيرك من غربك و أربع على ظلعك و اعقل إن كان لك عقل و أكرم نفسك فإنك إن تهنها تجدها على الناس أعظم هوانا ألم تسمع قول الشاعر
فنفسك أكرمها فإنك إن تهن عليك      فلن تلقى لها الدهر مكرما
و إني أقسم بالله لئن لم تنته عما بلغني عنك لتجدن جانبي خشنا و لتجدنني إلى ما يردعك عني عجلا    فرأيك فإن أشفى بك شقاؤك على الردى فلا تلومن إلا نفسك.....
فكتب إليه ابن عباس:
(أما بعد فقد بلغني كتابك أني أفتي الناس بالجهل و إنما يفتي بالجهل من لم يعرف من العلم شيئا و قد آتاني الله من العلم ما لم يؤتك و ذكرت أن حلمك عني و استدامتك فيئي جرآني عليك ثم قلت اكفف من غربك و أربع على ظلعك و ضربت لي الأمثال!! متى رأيتني لعرامك هائبا و من جدك ناكلا و قلت لئن لم تكفف لتجدن جانبي خشنا فلا أبقى الله عليك إن أبقيت و لا أرعى عليك إن أرعيت فو الله لا أنتهي عن قول الحق و صفة أهل العدل و ذم الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا و السلام) شرح النهج ج4 ص 487 نقلا عن المدائني.
كما روى ابن أبي الحديد عن المدائني أن ابن الزبير عندما عوتب في إغفاله ذكر النبي محمد صلى الله عليه و آله قال (إني رأيت بني هاشم إذا سمعوا ذكره اشرأبوا و احمرت ألوانهم و طالت رقابهم و الله لقد هممت أن أحظر لهم حظيرة ثم أضرمها عليهم نارا فإني لا أقتل منهم إلا آثما كفارا سحارا ألا إنما هم بيت سوء لا أول لهم و لا آخر و الله ما ترك فيهم نبي الله خيرا استفرغ نبي الله صدقهم فهم أكذب الناس فقام إليه محمد بن سعد بن أبي وقاص فقال وفقك الله يا أمير المؤمنين أنا أول من أعانك في أمرهم فقام عبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي فقال و الله ما قلت صوابا و لا هممت برشد أرهط رسول الله صلى الله عليه و آله تعيب؟؟ و إياهم تقتل و العرب حولك و الله لو قتل عدتهم أهل بيت من الترك مسلمين ما سوغه الله لك و الله لو لم ينصرهم الناس منك لنصرهم الله بنصره فقال اجلس أبا صفوان فلست بناموس فبلغ الخبر عبد الله بن عباس فخرج مغضبا و معه ابنه حتى أتى المسجد فقصد المنبر فحمد الله و أثنى عليه و صلى على رسوله ثم قال أيها الناس إن ابن الزبير يزعم أن لا أول لرسول الله صلى الله عليه و آله و لا آخر فيا عجبا كل العجب لافترائه و كذبه و الله إن أول من أخذ الإيلاف و حمى عير قريش لهاشم و إن أول من سقى بمكة عذبا و جعل باب الكعبة ذهبا لعبد المطلب و الله لقد نشأت ناشئتنا مع ناشئة قريش و أن كنا لقالتهم إذ قالوا و خطباؤهم إذا خطبوا و ما عد مجد كمجد أولنا و لا كان في قريش مجد لغيرنا لأنها في كفر ماحق و دين فاسق و ضلة و ضلاله في عشواء عمياء حتى اختار الله تعالى لها نورا و بعث لها سراجا فانتجبه طيبا من طيبين لا يسب بمسبة و لا يبغي عليه غائلة فكان أحدنا و ولدنا و عمنا و ابن عمنا ثم إن أسبق السابقين إليه منا و ابن عمنا ثم تلاه في السبق أهلنا و لحتمنا واحدا بعد واحد ثم إن لخير الناس بعده أكرمهم أدبا و أشرفهم حسبا و أقربهم منه رحما وا عجبا كل العجب لابن الزبير يعيب بني هاشم و إنما شرف هو و أبوه و جده بمصاهرتهم...... أما و الله إنه لمصلوب قريش........ و متى كان العوام بن خويلد يطمع في صفية بن عبد المطلب؟؟؟ .......... قيل للبغل من أبوك قال خالي الفرس ثم نزل) شرح النهج ج4 ص 489 نقلا عن المدائني.
هذا هو الأنموذج الثوري لعبد الله بن الزبير الذي يفاخر به البعض من الجهال بالدين و التاريخ فدراسة الدين و التاريخ توأمان متصلان غير منفصلين و لا سبيل لهذا الفصل إلا في العقول الواهمة المريضة التي أنشأت لنفسها عالما من التصور لا يمت للواقع أو الحقيقة بسبب و لا نسب.
فدراسة الدين هي دراسة النص السماوي و الوحي الإلهي الصافي غير المشوب بالشوائب و لا بالأخلاط البشرية أيا كان مصدرها ذلك الخلط الذي يمكن أن يحدث إما على مستوى افتعال النص و نسبته إلى الخالق العظيم (و إن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب و ما هو من الكتاب و يقولون هو من عند الله و ما هو من عند الله و يقولون على الله الكذب و هم يعلمون).
و إما صرفا للكلم عن مواضعه تأويلا (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه و يقولون سمعنا و عصينا و اسمع غير مسمع و رعانا ليا بألسنتهم و طعنا في الدين).
و إما على مستوى إصدار الأحكام و الفتاوى المزيفة (اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله و المسيح بن مريم و ما أمروا إلا ليعبدوا ‘لها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) و كانت عبادتهم لهؤلاء و من على شاكلتهم هو اتباعهم لفتاواهم المزيفة التي هي أخطر ألف مرة من القوانين الوضعية (أحلوا لهم الحرام و حرموا عليهم الحلال فتلك عبادتهم إياهم) و من هنا فليس كل ما يطلق عليه الناس دينا و خاصة ما يقدمه بعض الوعاظ و أدعياء العلم و المعرفة هو من الله في شيء.
لا شك أن دراسة التاريخ دراسة نقدية متحررة من الانحياز المسبق حبا أو بغضا هو ضرورة عقلية و دينية لا تختلف كثيرا عن قراءة القرآن و حفظه و تفسيره (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) (أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم).

 

 

 

 

 

احتدام الصراع داخل البيت الأموي:

 

احتدم الصراع داخل البيت الأموي ما بين مؤيد لبيعة ابن الزبير مطالب باستمرار الأمويين في الحكم و إن اختلفوا حول شخصية الطاغوت الأموي المقبل: (فلما عاد حصين بن نمير و من معه إلى الشام وجد بني أمية في اختلاط شديد فنصح مروان بن الحكم قائلا: أقيموا أمركم قبل أن يدخل عليكم ابن الزبير شامكم فتكون فتنة عمياء صماء.......... و هم مروان بن الحكم أن يرحل ليبايع ابن الزبير فقدم عبيد الله بن زياد فانتهر مروان قائلا له استحييت لك مما تريد أن تصنع أنت كبير قريش و سيدها تصنع ما تصنع؟؟!! ما فات شيء بعد فقام معه بنو أمية و مواليهم و تجمع إليه أهل اليمن فسار و هو يقول ما فات شيء بعد فقدم دمشق و من معه و الضحاك بن قيس الفهري قد بايعه أهل دمشق على أن يصلي بهم و يقيم لهم أمرهم حتى يجتمع أمر أمة محمد) الطبري ج5 ص 530.
ازدادت رقعة الخلاف اتساعا بعد ذلك (حيث ثار زفر بن الحارث الكلابي بقنسرين يبايع لعبد الله بن الزبير و بايع النعمان بن بشير الأنصاري بحمص لابن الزبير أما حسان بن مالك بن بحدل الكلبي عامل بني أمية على فلسطين فكان يهوى هوى بنى أمية و يريد استمرار الأمر فيهم...... ثم خرج حسان بن مالك إلى الأردن و استخلف روح بن زنباع فثار عليه ناتل بن قيس و أخرجه و استولى على فلسطين و بايع لابن الزبير فكان الناس فريقين حسان بن مالك بالأردن يهوى هوى بني أمية و يدعو إليهم و الضحاك بن قيس الفهري بدمشق يهوى هوى عبد الله بن الزبير و يدعو إليه ثم قام حسان بن مالك بالأردن فقال يا أهل الأردن ما شهادتكم على ابن الزبير و على قتلى أهل الحرة قالوا نشهد أن ابن الزبير منافق و أن قتلى أهل الحرة في النار قال فما شهادتكم على يزيد بن معاوية و قتلاكم بالحرة قالوا نشهد أن يزيد على الحق و أن قتلانا في الجنة قال و أنا أشهد لئن كان دين يزيد بن معاوية و هو حي حقا يومئذ إنه اليوم و شيعته على الحق و إن كان ابن الزبير يومئذ و شيعته على باطل إنه اليوم على باطل هو و شيعته قالوا صدقت نحن نبايعك على أن نقاتل من خالفك من الناس و أطاع ابن الزبير على أن تجنبنا هذين الغلامين [يعنون ابني يزيد بن معاوية عبد الله و خالدا] فإنا نكره ذلك) الطبري ج5 531-532.
أين كان يومئذ من يسمونهم الآن بأهل السنة و الجماعة (الفرقة الوحيدة الناجية من النار) من كل تلك الفرق المتناحرة و المتقاتلة حيث حدد داعية بني أمية (حسان بن مالك) رؤيته لطبيعة و أطراف الصراع بين يزيد و شيعته من ناحية و ابن الزبير و شيعته من الناحية الأخرى و لم يكن لشيعة أهل البيت عليهم السلام وجود في هذا الصراع السلطوي البحت.
لم يكن هناك من يدعو إلى إحياء حق أو إماتة باطل و قد قدمنا طرفا من سيرة الفريقين المتحاربين و ما اقترفاه من جرائم في حق الإسلام و المسلمين بل و الإنسانية جمعاء بل و في حق التراث الحضاري و الإنساني حيث تسبب الصراع الدائر بينهما في هدم الكعبة و نقض أساسها أي أن أيا من الفريقين لم يحترم أي عرف أو دين أو قانون.
معركة مرج راهط:
دارت معركة راهط لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع و ستين للهجرة بين الجناحين الأمويين المتخاصمين: الأول بقيادة الضحاك بن قيس الفهري و الثاني بقيادة مروان بن الحكم الذي بويع له بمشورة من عبيد الله بن زياد بعد أن كاد يبايع هو لعبد الله بن الزبير فانتهره ابن زياد قائلا (استحييت لك مما تريد أن تفعل أنت كبير قريش و سيدها تصنع ما تصنعه فبويع لمروان) الطبري ص 530 ج 5.
اختلفت الروايات حول حقيقة موقف الضحاك بن قيس الفهري.. و هل كان يدعو لنفسه أم يدعو لطاعة عبد الله بن الزبير و الراجح عندي أنه كان يدعو لنفسه و هذا ما صرح به ابنه الذي قال (إن الضحاك بن قيس قد كان دعا قيسا و غيرها إلى البيعة لنفسه فبايعهم يومئذ على الخلافة) الطبري 5 –530.
اشتعل القتال بين الجناحين الأمويين ذلك القتال الذي دام عشرين يوما من أجل السلطة و لا شيء سوى السلطة و انتهى بقتل الضحاك و معه ثمانون رجلا من أشراف أهل الشام  و هرب الناس منهزمين من المرج إلى أجنادهم فانتهى أهل حمص إلى حمص و النعمان بن بشير عليها فلما بلغه الخبر خرج هاربا  متحيرا ليلته كلها و أصبح أهل حمص فطلبوه و قتله رجل من الكلاعيين و أقبل برأسه) الطبري ج5 ص 539.
الجريمة و العقاب .... كما تدين تدان.
نهاية النعمان بن بشير و الضحاك بن قيس:
انتهت معركة مرج راهط بهلاك الضحاك بن قيس الفهري و النعمان بن بشير الأنصاري (لاحظ أن النعمان من رجال البخاري!!) و هما من أعمدة الإجرام الأموي في عتوه و جبروته و لمن فاته الاستماع للحلقة الأولى التي لم يتطرق إليها (الطبري المعاصر) نعيد على مسامعه الدور الذي لعبه هؤلاء الجلاوذة في محاربة الدين و الإنسانية تأسيسا لدولة الظلم و البغي المسماة بالدولة الأموية.......... فقد بعث معاوية بن أبي سفيان النعمان بن بشير في ألفين من القتلة فأتوا على عين التمر و أغاروا عليها و بها عامل لعلي هو مالك بن كعب و ليس مع مالك إلا مائة رجل فاستقتلوا قتالا شديدا فلما رآهم أهل الشام على هذا الحال ظنوا أن لهم مددا و انهزموا الطبري ج5 ص 133.
أما الضحاك بن قيس فقد وجهه معاوية لقتال الدولة الإسلامية العلوية و أمره أن يمر بأسفل واقصة و أن يغير على كل من مر به ممن هو في طاعة علي من الناس و وجه معه ثلاثة آلاف رجل فسار فأخذ أموال الناس و قتل من لقي من الأعراب و مر بالثعلبية فأغار على مسالح الإمام علي (الشرطة أو رجال الأمن) و أخذ أمتعتهم و مضى حتى انتهى إلى القطقطانة فأتى عمرو بن عميس بن مسعود و كان في خيل لعلي بن أبي طالب و هو يريد الحج فأغار على من كان معه و حبسه عن المسير فلما بلغ ذلك عليا سرح حجر بن عدي الكندي في أربعة آلاف فلحق بالضحاك بتدمر فقتل منهم تسعة عشر رجلا و قتل من أصحابه رجلان و حال بينهم الليل فهرب الضحاك و أصحابه) الطبري ح5 ص 135.

 

 

 


مروان بن الحكم خليفة للمسلمين!!
على طريقة المسرحيات الهزلية أصبح مروان بن الحكم خليفة (أو إماما للمسلمين و وليا لأمرهم!!) فأنشأ يقول:

لما رأيت الأمر أمرا نهبا               سيرت غسان لهم و كلبا
و السكسكيين رجالا غلبا                   و طيئا تأباه إلا ضربا
و القين تمشي في الحديد نكبا    و من تنوخ مشمخرا صعبا
لا يأخذون الملك إلا غصبا          و إن دنت قيس فقل لا قربا

هذا هو واقعنا الأليم و المخزي و هذا هو دستورنا السياسي غير المكتوب الذي قام وعاظ السلاطين و السائرين على دربهم إلى يومنا هذا (بمن فيهم شيخ الصحوة المهزوم  صاحب كتاب الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد و الذي يفتي فيه بأن التغلب هو إحدى الوسائل الشرعية للوصول على الحكم)  بتنظيره و وضعه في إطار شرعي سيرا على درب أسلافهم من أحبار اليهود و النصارى من (الذين أحلوا لهم الحرام و حرموا عليهم الحلال فتلك عبادتهم إياهم) و من الذين صفعهم القرآن الكريم بقول الله تعالى (و لا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال و هذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون).
إنه مروان بن الحكم بن العاص طريد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و صاحب البوائق الكبرى يصبح خليفة للمسلمين عام 64 للهجرة أي بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه و آله بنصف قرن فقط لا غير و نحن نهدي شيئا من سيرته العفنة لأولئك البسطاء الذين يزعمون أن هذه كانت خلافة إسلامية تحكم بما أنزل الله و أنها بقيت و استمرت حتى سقوط الخلافة العثمانية عام 1924 للميلاد.
روى ابن عبد البر الأندلسي صاحب الاستيعاب (مروان بن الحكم بن العاص طريد رسول الله و الحكم بن أبي العاص هو عم عثمان بن عفان ...... كان من مسلمة الفتح و من المؤلفة قلوبهم  و كان رسول الله صلى الله عليه و آله قد نفاه من المدينة إلى الطائف و تباينت الروايات حول سبب نفيه فمن قائل أنه كان يتجسس و يستخفي و يسمع ما يسره رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم إلى أكابر الصحابة في مشركي قريش و سائر الكفار و المنافقين و يفشي ذلك عنه حتى ظهر ذلك عليه و قيل كان يتجسس على رسول الله ص و هو عند نسائه و يسترق السمع و يصغي إلى ما يجري هناك مما لا يجوز الإطلاع عليه ثم يحدث به المنافقين على طرق الاستهزاء و قيل كان يحكيه في بعض مشيته و بعض حركاته فقد قيل أن النبي صلى الله عليه و آله كان يتكفأ في مشيته و كان الحكم بن العاص يحكيه و كان شانئا له مبغضا حاسدا فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه و آله يوما فرآه يوما يمشي خلفه يحكيه فقال له كذلك فلتكن يا حكم فكان الحكم مختلجا يرتعش من يومئذ و كان عبد الرحمن بن حسان بن ثابت يهجو مروان قائلا
إن اللعين أباك فارم عظامه     إن ترم ترم مخلجا مجنونا
يمسي خميص البطن من عمل     التقى و يظل من عمل الخبيث بطينا
قال ابن عبد البر أما قول عبد الرحمن بن حسان (إن اللعين أباك) فإنه روي عن عائشة من طرق ذكرها أن ابن أبي خيثمة و غيره أنها قالت لمروان إذ قال في أخيها عبد الرحمن أنه أنزل فيه (و الذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج) أما أنت يا مروان فأشهد أن رسول الله صلى الله عليه و آله لعن أباك و أنت في صلبه.
كما روى أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه و آله قال يدخل عليكم رجل لعين قال عبد الله و كنت قد رأيت أبي يلبس ثيابه ليقبل إلى رسول الله صلى الله عليه و آله فلم أزل مشفقا أن يكون أول من يدخل فدخل الحكم بن أبي العاص.
و روى صاحب الاستيعاب أيضا أن علي بن أبي طالب عليه السلام نظر إلى مروان فقال له: ويل لك و ويل لأمة محمد منك و من بيتك إذا شاب صدغاك و هي رواية قريبة المعنى مما أورده الشريف الرضي عن الإمام في نهج البلاغة (أخذ مروان بن الحكم أسيرا يوم الجمل فاستشفع الحسن و الحسين عليهما السلام إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فكلماه فخلى سبيله فقالا له يبايعك يا أمير المؤمنين قال عليه السلام لا حاجة لي في بيعته إنها كف يهودية لو بايعني بيده لغدر بسبته أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه و هو أبو الأكبش الأربعة و ستلقى الأمة منه و من ولده يوما أحمر) شرح النهج ج2 ص 53.
هلاك مروان بعد إمرة كلعقة الكلب أنفه
استمرت خلافة مروان بن الحكم تسعة أشهر انتهت نهاية مأساوية بقتله بطريقة تليق برمز من رموز الفجور الأموي بعد أن أخذ البيعة من بعده لابنيه عبد الملك و عبد العزيز...
قتل الرجل على يد امرأته التي كانت زوجة سابقة ليزيد بن معاوية ثم تزوجها زواجا سياسيا ليقطع الطريق على خالد بن يزيد للمطالبة بالخلافة و الرواية كما ذكرها ابن جرير الطبري (لما حضرت معاوية بن يزيد الوفاة أبى أن يستخلف أحدا و كان حسان بن مالك بن بحدل يريد أن يجعل الأمر بعد معاوية بن يزيد لأخيه خالد بن يزيد و كان صغيرا فلما بايع لمروان و بايعه معه أهل الشام قيل لمروان تزوج أم خالد حتى تصغر شأنه (!!) فلا يطلب الخلافة فتزوجها فدخل خالد يوما على مروان و عنده جماعة كثيرة و هو يمشي بين الصفين فقال إنه و الله ما علمت لأحمق تعال يا ابن كذا و كذا (حذفنا السب لفحشه) فرجع إلى أمه فأخبرها فقالت له لا يعرفن ذلك منك و اسكت فأنا أكفيكه فدخل عليها مروان فقال لها هل قال لك خالد شيئا فيّ فقالت و خالد يقول فيك شيئا خالد أشد لك إعظاما من أن يقول فيك شيئا فصدقها ثم مكثت أياما ثم إن مروان نام عندها فغطته بالوسادة حتى قتلته) الطبري ج5 610-611.
و هكذا طويت صفحة ذلك الشيء المسمى مروان بن الحكم لتأتي من بعده صفحة عبد الملك بن مروان و ما زلنا نتقلب من سيء إلى أسوأ و من أسود إلى أشد سوادا
لم يكن غريبا أن يموت مروان بن الحكم (شهيدا) لوسادة أم خالد و أن يموت من بعده بقرون عز الدين أيبك (شهيدا) لقباقيب أم خليل الشهيرة بشجرة الدر كل هذا و الأمة ما زالت تبحث عن الصواب بعيدا عن الصواب و عن الهداية بعيدا عن الهداية فلا تجدها و المهم أن تجري عملية البحث بعيدا عن منهج أهل البيت فلا تجد إلا وسادة أم خالد أو قباقيب أم خليل أو كيماوي علي الكيماوي ابن عم و ابن خال صدام أو دبابات شارون و إنا لله و إنا إليه راجعون.
المسرح السياسي عشية هلاك مروان تحت الوسادة:
مفيد جدا أن نجري مراجعة سريعة للساحة السياسية في الأمة الإسلامية عشية قتيل الوسادة مروان بن الحكم:
1- كان عبد الله بن الزبير ما زال متحصنا بالكعبة المشرفة في سعيه الدؤوب من أجل الوصول إلى السلطة.
2- كانت أمواج الطرح الخوارجي تتحرك داخل المجتمع و تتهيأ لخوض جولة جديدة من الصراع ضد خصومهم (الكفار المسلمين أو المسلمين الكفار).
3- كانت الأوضاع مضطربة داخل البيت الأموي في إطاره الأوسع (الأمويون و أنصارهم) حيث كان التطلع إلى اقتسام الغنيمة هما للجميع قد يتسبب في إشعال الصراع بين لحظة و أخرى.
4- و أخيرا كان هناك التيار الشيعي أو المنحاز لأهل بيت العصمة و النبوة و الذي اختزن الكثير من المرارات و الرغبة في الثأر نتيجة ما لحق بأئمة أهل البيت و شيعتهم خلال الفترة السابقة و هو أمر لا يثير أي شيء من الاستغراب فلكل فعل رد فعل و هذا هو قانون الطبيعة و الحياة.

الحركات الشيعية الثورية:
1- حركة التوابين بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي.
2- حركة المختار بن عبيد الثقفي.
3- ثورة زيد بن علي بن الحسين.
لم يكن من الغريب و خاصة في هذه الأجواء أن يتحرك شيعة أهل البيت عليهم السلام أو أن يدخلوا طرفا في الصراع السياسي الدائر ثارا لأنفسهم و أئمتهم عليهم السلام بل كان الغريب أن لا يحدث هذا التحرك في ساحة تموج بالاضطرابات و الثورات و حركات التمرد داخل و خارج البيت الأموي فالقاعدة التي يجب أن يتذكرها الجميع قديما و حديثا (أن من سل سيف البغي قتل به... و أن يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم).
الأمر الثاني الذي سنلاحظه عند استعراضنا للتحرك الشيعي طلبا لثأر الحسين عليه السلام أنه لم يكن هناك من يطلب الملك أو الخلافة لنفسه فإن من مقتضيات المعتقد الشيعي أن الإمرة و الإمامة هي لأهل البيت عليهم السلام و أن التشيع يعني أول ما يعني هو التزام إمامة أهل البيت و الدعوة إليها و ليس إلى إمامة أو خلافة قائد الحركة.
من هنا فإننا عندما نتحدث عن أي تحرك شيعي نلاحظ صفتين بارزتين:
1- التزام أخلاقي و منهجي و فقهي واضح.
2- أن محور الحركة يدور حول التزام إمامة أهل البيت عليهم السلام و هي أمور تشكل فروقا جوهرية بين أتباع منهج أهل البيت و غيرهم.
و هناك ملاحظة بالغة الأهمية شكلت فارقا هاما بين حركة التوابين بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي و حركة المختار بن عبيد الثقفي فالأولى قد اتسمت بضعف التخطيط و الأداء النابع من افتقار سليمان بن صرد الخزاعي لكفاءة القيادة على عكس المختار الثقفي رحمة الله عليهما.

بدايات التحرك الشيعي:
حركة التوابين بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي.

يروي ابن جرير الطبري في تاريخه ج5 ص 551 في أحداث عام 64 للهجرة (و في هذا العام تحركت  الشيعة بالكوفة و اتعدوا الاجتماع بالنخيلة سنة خمس و ستين للمسير إلى أهل الشام للطلب بدم الحسين بن علي و تكاتبوا في ذلك ثم روى مبدأ التحرك قال لما قتل الحسن بن علي و رجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة فدخل الكوفة تلاقت الشيعة بالتلاوم و التندم و رأت أنها قد أخطأت خطأ كبيرا بدعائهم الحسين إلى النصرة و تركهم إجابته و مقتله إلى جانبهم لم ينصروه و رأوا أنه لا يغسل عارهم و الإثم عنهم في مقتله إلا بقتل من قتله أو القتل فيه ففزعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من رؤوس الشيعة هم سليمان بن صرد الخزاعي و كانت له صحبة مع رسول الله صلى الله عليه و آله و إلى المسيب بن نجبة الفزاري و كان من أصحاب علي عليه السلام و خيارهم و إلى عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي و إلى عبد الله بن وال التميمي و إلى رفاعة بن شداد البجلي.
ثم إن هؤلاء النفر الخمسة اجتمعوا في منزل سليمان بن صرد و معهم أناس من الشيعة و خيارهم و وجوههم فتكلم المسيب بن نجبة الفزاري فحمد الله و أثنى عليه و صلى على نبيه صلى الله عليه و آله ثم قال: أما بعد فقد ابتلينا بطول العمر و التعرض لأنواع الفتن فنرغب إلى ربنا ألا يجعلنا ممن يقول له غدا (أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر و جاءكم النذير) سورة فاطر 37 فإن أمير المؤمنين قال العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة و ليس فينا رجل إلا و قد بلغه و قد كنا مغرمين بتزكية أنفسنا و تقريظ شيعتنا حتى بلا الله أخبارنا فوجدنا كاذبين في موطنين من مواطن ابن بنت نبينا صلى الله عليه و آله و سلم و قد بلغتنا قبل ذلك كتبه و قدمت علينا رسله و أعذر إلينا يسألنا نصره عودا و بدءا و علانية و سرا فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قتل إلى جانبنا لا نحن نصرناه بأيدينا و لا جادلنا عنه بألسنتنا و لا قويناه بأموالنا و لا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا فما عذرنا إلى ربنا و عند لقاء نبينا صلى الله عليه و سلم و قد قتل فينا ولده و حبيبه و ذريته و نسله لا و الله لا عذر إلا أن تقتلوا قاتله و الموالين عليه أو تقتلوا في طلب ذلك فعسى ربنا أن يرضى علينا عند ذلك و ما أنا بعد لقائه لعقوبته بآمن أيها القوم ولوا عليكم رجلا منكم فإنه لا بد لكم من أمير تفزعون إليه و راية تحفون بها أقول قولي هذا و أستغفر الله لي و لكم.......  ثم تكلم رفاعة بن شداد فتكلم بمثل ما تكلم به المسيب بن نجبة ثم وجه خطابه إليه " قلت ولوا أمركم رجلا منكم تفزعون إليه و تحفون برايته وذلك رأي قد رأينا مثل الذي رأيت فإن تكن أنت ذلك الرجل تكن عندنا مرضيا و فينا متنصحا و في جماعتنا محبا و إن رأيت رأي أصحابنا ذلك ولينا هذا الأمر شيخ الشيعة صاحب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و ذا السابقة و القدم سليمان بن صرد المحمود في باسه و دينه و الموثوق بحزمه.
ثم تكلم عبد الله بن وال و عبد الله بن سعد فحمدا ربهما و أثنيا عليه وذكرا المسيب بن نجبة بفضله و كرا سليمان بن صرد بسابقته و رضاهما بتوليته فقال المسيب بن نجبة أصبتم و وفقتم و أنا أرى مثل الذي رأيتم فولوا أموركم سليمان بن صرد.
فتكلم سليمان بن صرد فقال و ما زال يردد هذا القول في كل جمعة حتى حفظته "أثني على الله خيرا و أحمد آلاءه و بلاءه و اشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا عبده و رسوله أما بعد فإني و الله لخائف ألا يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذي نكت فيه المعيشة و عظمت فيه الرزية و شمل فيه الجور أولي الفضل من هذه الشيعة لما هو خير إنا كنا نمد أعناقنا إلى قدوم آل نبينا و نمنيهم النصر و نحثهم على القدوم فلما قدموا و نينا و عجزنا و أدهنا و تربصنا و انتظرنا ما يكون حتى قتل فينا ولد نبينا و سلالته و عصارته و بضعة من لحمه و دمه إذ جعل يستصرخ فلا يٌصرخ و يسأل النصف فلا يعطاه اتخذه الفاسقون غرضا للنبل و دربة للرماح حتى أقصدوه و عدوا عليه فسلبوه ألا انهضوا فقد سخط ربكم و لا ترجعوا إلى الحلائل و الأبناء حتى يرضى الله و الله ما أظنه راضيا دون أن تناجزوا من قتله أو تبيروا ألا لا تهابوا الموت فو الله ما هابه امرؤ قط إلا ذل كونوا كالأولى من بني إسرائيل إذ قال لهم نبيهم  (إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم) فما فعل القوم؟؟ جثوا على الركب و الله و مدوا الأعناق و رضوا بالقضاء حتى حين علموا أنه لا ينجيهم من عظيم الذنب إلا الصبر على القتل فكيف بكم لو قد دعيتم إلى مثل ما دعي القوم إليه!! اشحذوا السيوف و ركبوا الأسنة (و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة و من رباط الخيل) حتى تدعوا حين تدعوا و تستنفرون.
فقام الحضور يتكلمون مؤكدين على ما قاله سليمان بن صرد و مبايعين و تصدق كل منهم بماله من أجل الإعداد للتحرك القادم.
و أورد ابن جرير الطبري رسالة من سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة و من قبله من المؤمنين سلام عليكم أما بعد فإن الدنيا دار قد أدبر منها ما كان معروفا و أقبل منها ما كان منكرا و أصبحت قد تشنأت إلى ذوي الألباب و أزمع بالترحال منها عباد الله الأخيار و باعوا قليلا من الدنيا لا يبقى بجوي مثوبة عند الله لا تفنى إن أولياء من إخوانكم وشيعة آل نبيكم نظروا لأنفسهم فيما ابتلوا به من أمر ابن بنت نبيهم الذي دعي فأجاب و دعا فلم يجب و أراد الرجعة فحبس و سأل الأمان فمنع و ترك الناس فلم يتركوه و عدوا عليه فقتلوه ثم سلبوه و جردوه ظلما و عدوانا و غرة بالله و جهلا و بعين الله ما يعملون و إلى الله ما يرجعون (و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) فلما نظر إخوانكم و تدبروا عواقب ما استقبلوا رأوا أن قد أخطأوا بخذلان الزكي الطيب و إسلامه و ترك مواساته و النصر له خطأ كبير ليس لهم منه مخرج و لا توبة دون قتل قاتليه أو قتلهم حتى تفنى على ذلك أرواحهم فقد جد إخوانكم فجدوا و أعدوا و استعدوا و قد ضربنا لإخواننا أجلا يوافوننا إليه و موطنا يلقوننا فيه فأما الأجل فغرة شهر ربيع الآخر سنة خمس و ستين و أما الموطن الذي يلقوننا فيه فالنخيلة.
أنتم الذين لم تزالوا لنا شيعة و إخوانا و إلا قد رأينا أن ندعوكم إلى هذا الأمر الذي أراد الله به إخوانكم فيما يزعمون و يظهرون لنا أنهم يتوبون و أنكم جدراء بتطلاب الفضل و التماس الأجر و التوبة إلى ربكم من الذنب و لو كان في ذلك حز الرقاب و قتل الأولاد و استيفاء الأموال و هلاك العشائر .... ما ضر أهل عذراء الذين قتلوا ألا يكونوا اليوم أحياء عند ربهم يرزقون شهداء قد لقوا الله صابرين محتسبين فأثابهم ثواب الصابرين (يعني حجر بن عدي الكندي و أصحابه الذين قتلهم معاوية بن أبي سفيان لمقاومتهم الطغيان الأموي و رفضهم السب المتواصل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على منابر المسلمين) و ما ضر إخوانكم المقتلين صبرا المصلبين ظلما و الممثل بهم المعتدى عليهم ألا يكونا أحياء مبتلين بخطاياكم قد خير لهم فلقوا ربهم و وقاهم الله إن شاء أجرهم فاصبروا رحمكم الله على البأساء و الضراء و حين البأس و توبوا إلى الله عن قريب فو الله إنكم لأحرياء ألا يكون أحد من إخوانكم صبر على شيء من البلاء إرادة ثوابه إلا صبرتم التماس الأجر فيه على مثله و لا يطلب رضاء الله طالب بشيء من الأشياء و لو أنه القتل إلا طلبتم رضا الله به إن التقوى أفضل الزاد في الدنيا و ما سوى ذلك يبور و يفنى فلتعزف عنها أنفسكم و لتكن رغبتكم في دار عافيتكم و جهاد عدو الله و عدوكم و عدو أهل بيت نبيكم حتى تقدموا على الله تائبين راغبين أحيانا الله و إياكم حياة طيبة و أجارنا و إياكم من النار و جعل منايانا قتلا في سبيله على يد أبغض خلقه إليه و أشدهم عداوة له إنه القدير على ما يشاء و الصانع لأوليائه في الأشياء و السلام).
وصلت هذه الرسالة إلى سعد بن حذيفة بن اليمان و عنده أقوام من أهل الكوفة فقرأها عليهم ثم  حمد الله و أثنى عليه ثم قال أما بعد فإنكم كنتم قد اجتمعتم و أزمعتم على نصر الحسين و قتال عدوه فلم يفجأكم أول من قتله و الله مثيبكم على حسن النية و ما أجمعتم عليه من النصر أحسن المثوبة و قد بعث إليكم إخوانكم يستنجدونكم و يستمدونكم و يدعونكم إلى الحق و إلى ما ترجون به عند الله أفضل الأجر و الحظ فماذا ترون و ماذا تقولون فقال القوم بأجمعهم نجيبهم و نقاتل معهم و رأينا مثل رأيهم.
و لما استوثق لسعد بن حذيفة الأمر أرسل إلى سليمان بن صرد (سلام عليكم أما بعد فقد قرأنا كتابك و فهمنا الذي دعوتنا إليه من الأمر الذي عليه رأي الملأ من إخوانك فقد هديت لحظك و يسرت لرشدك و نحن جادون مجدون معدون مسرجون ملجمون ننتظر الأمر و نستمع الداعي فإذا جاء الصريخ أقبلنا و لم نعرج إن شاء الله و السلام.
فلما هلك يزيد سنة أربع و ستين كان أميره على البصرة عبيد الله بن زياد و خليفته على الكوفة عمرو بن حريث فجاء إلى سليمان مؤيدوه من شيعة الكوفة فقالوا (قد مات هذا الطاغية و الأمر الآن ضعيف فإن شئت وثبنا على عمرو بن حريث فأخرجناه من القصر ثم أظهرنا الطلب بدم الحسين و تتبعنا قتلته و دعونا الناس إلى أهل هذا البيت المستأثر عليهم المدفوعين عن حقهم فقال لهم سليمان بن صرد رويدا لا تعجلوا إني قد نظرت فيما تذكرون فوجدت أن قتلة الحسين هم أشراف أهل الكوفة و فرسان العرب و هم المطالبون بدمه و متى علموا ما تريدون و علموا أنهم المطلوبون كانوا أشد عليكم و نظرت فيمن تبعني منكم فعلمت أنهم لو خرجوا لم يدركوا ثأرهم و لم يشفوا أنفسهم و لم ينكوا في عدوهم و كانوا لهم جزرا و لكن بثوا دعاتكم في المصر فادعوا إلى أمركم هذا شيعتكم و غير شيعتكم فإني أرجو أن يكون الناس اليوم حيث هلك هذا الطاغية أسرع إلى أمركم استجابة منهم قبل هلاكه ففعلوا و خرجت طائفة منهم دعاة يدعون الناس فاستجاب لهم ناس كثير بعد هلاك يزيد بن معاوية أضعاف من كانوا استجابوا لهم من قبل.


عبيد الله بن عبد الله المري:
إنه واحد من دعاة الشيعة العاملين تحت إمرة سليمان بن صرد قال عنه الراوي ما رأيت من هذه الأمة أحدا كان أبلغ من عبيد الله بن عبد الله المري في منطق و لا عظة .... كان من دعاة أهل المصر زمان سليمان بن صرد الخزاعي و نحن ننقل خطبته ليعرف الناس كيف جرى تشويه صورة شيعة أهل البيت و تصويرهم كأشباح يتحركون في الظلام و لا هم لهم إلا الحديث عن الرجعة و سب الصحابة و الترويج لنكاح المتعة فلو تحدثنا عن الصحابة كان الشيعة من خيرة الصحابة و لو تحدثنا عن التابعين كان شيعة أهل البيت هم أفضل التابعين و تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين قال الراوي (كان إذا اجتمعت إليه جماعة من الناس فوعظهم بدأ بحمد الله و الثناء عليه و الصلاة على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ثم يقول أما بعد فإن الله اصطفى محمدا صلى الله عليه و آله على خلقه بنبوته و خصه بالفضل كله و أعزكم باتباعه و أكرمك بالإيمان به فحقن به دماءكم المسفوكة و أمن به سبلكم المخوفة (و كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) فهل خلق ربكم في الأولين و الآخرين أعظم حقا على هذه الأمة من نبيها و هل ذرية أحد من النبيين أو المرسلين أو غيرهم أعظم حقا على هذه الأمة من ذرية رسولها لا و الله ما كان و لا يكون لله أنتم ألم تروا و يبلغكم ما اجترم إلى ابن بنت نبيكم أما رأيتم إلى انتهاك القوم حرمته و استضعاف وحدته و ترميلهم إياه بالدم و تجرارهم على الأرض لم يرقبوا فيه ربهم و لا قرابته من الرسول صلى الله عليه و سلم اتخذوه للنبل غرضا و غادروه للضباع جزرا فلله عينا من رأى مثله و لله حسين بن علي ماذا غادروا به ذا صدق و صبر و ذا أمانة و نجدة و حزم ابن أول المسلمين إسلاما و ابن بنت رسول رب العالمين قلت حماته و كثرت عداته حوله فقتله عدوه و خذله وليه فويل للقاتل و ملامة للخاذل إن الله لم يجعل لقاتله حجة و لا لخاذله معذرة إلا أن يناصح لله في التوبة فيجاهد القاتلين و ينابذ القاسطين فعسى الله عند ذلك أن يقبل التوبة و يقيل العثرة إنا ندعوكم إلى كتاب الله و سنة نبيكم و الطلب بدماء أهل بيته و إلى جهاد المحلين و المارقين فإن قتلنا فما عند الله خير للأبرار و إن ظهرنا رددنا هذا الأمر إلى أهل بيت نبينا.

تمرد أهل الكوفة على عمرو بن حريث:
وثب أهل الكوفة على عمرو بن حريث بعد هلاك يزيد بن معاوية وبايعوا لعامر بن مسعود بن أمية الذي بايع بدوره لابن الزبير فلما مضت ستة أشهر قدم إليها عبد الله بن يزيد الأنصاري واليا على الكوفة من قبل عبد الله بن الزبير وفي هذه الأثناء قدم إلى الكوفة المختار بن عبيد الثقفي الذي دخل إلى الكوفة وقد اجتمع رأي رءوس الشيعة فيها مع سليمان بن صرد فليس يعدلونه به (أي المختار) فكان المختار إذا دعاهم لنفسه على الطلب بدم الحسين قالت له الشيعة هذا سليمان بن صرد شيخ الشيعة قد انقادوا له واجتمعوا عليه فأخذ يقول للشيعة إني قد جئتكم من عند المهدي محمد بن علي ابن الحنفية مؤتمنا مأمونا ومنتجبا وزيرا فو الله ما زال بالشيعة حتى انشعبت إليه طائفة تعظمه وتجيبه وتنتظر أمره إلا أن الغالبية بقيت على ولائها لسليمان بن صرد الخزاعي فسليمان أثقل خلق الله على المختار وكان المختار يقول لأصحابه أتدرون ما يريد هذا؟؟ يعني سليمان بن صرد إنما يريد أن يخرج فيقتل نفسه و يقتلكم ليس له بصر بالحروب و لا علم بها. ص 561 ج5 تاريخ الطبري.
المتأمل لما قاله المختار بن أبي عبيد رضوان الله عليه يجد أنه لا ينطلق في خطوات تحركه من رؤية فردية ولا تخطيط فردي وإنما يسند هذا التحرك لواحد من أعلام أهل البيت هو محمد بن علي (ابن الحنفية).
صحيح أنه لم يكن الإمام وقتها فالإمامة كانت لعلي بن الحسين زين العابدين أو الإمام السجاد ولكنه لم يقل (جئتكم من عند إمام الزمان المهدي المنتظر) وإنما قال (جئتكم من عند المهدي محمد بن علي).
ولا شك أن كل من سار على نهج أئمة أهل البيت فهو مهدي فكيف بمحمد بن علي بن أبي طالب!!؟؟.
من هنا فإن ضرورات التحرك تملي استخدام الكثير والكثير من أساليب التورية والمواربة التي برع فيها المختار على عكس التحرك الانفعالي لسليمان بن صرد الذي افتقر للتخطيط الدقيق والجيد.
جاء الوشاة والجواسيس إلى عبد الله بن يزيد الأنصاري عامل عبد الله بن الزبير على الكوفة يخبرونه بما يجري فقال قائلهم (إن الناس يتحدثون أن هذه الشيعة خارجة عليك مع ابن صرد ومنهم طائفة أخرى مع المختار وهي أقل الطائفتين عددا والمختار فيما يذكر الناس لا يريد أن يخرج حتى ينظر ما يصير إليه أمر سليمان بن صرد وقد اجتمع له أمره وهو خارج من أيامه هذه فإن رأيت أن تجمع الشرط والمقاتلة ووجوه الناس ثم تنهض إليهم وننهض معك فإذا دفعت إلى منزله دعوته فإن أجابك فحسبه وإن قاتلك قاتلته فإني أخاف عليك إن هو بدأك و أقررته حتى يخرج عليك أن تشتد شوكته وأن يتفاقم أمره.
لم يكن عبد الله بن يزيد راغبا في الدخول في مواجهة مع هؤلاء الثوار من شيعة أهل البيت بالإضافة إلى أن الثوار لم يكونوا يضعونه على قائمة خصومهم السياسيين فهدف التحرك كان محصورا في الانتقام من قتلة الحسين بن علي عليه السلام ولم يكن هناك من يتحدث عن إقامة نظام سياسي بديل...  فرد عبد الله على ذلك الواشي قائلا: الله بيننا و بينهم إن هم قاتلونا قاتلناهم وإن تركونا لم نطلبهم ..... حدثني ما يريد الناس؟؟ قال يذكر الناس أنهم يطلبون بدم الحسين بن علي قال فأنا قتلت الحسين!! لعن الله قاتل الحسين!!.
ثم صعد على المنبر فقام في الناس خطيبا فحمد الله فأثنى عليه ثم قال أما بعد فقد بلغني أن طائفة من أهل هذا المصر أرادوا أن يخرجوا علينا فسألت عن الذي دعاهم إلى ذلك فقيل لي إنهم يطلبون بدم الحسين بن علي فرحم الله هؤلاء القوم قد والله دللت على أماكنهم وأمرت بأخذهم وقيل ابدأهم قبل أن يبدءوك فأبيت ذلك فقلت إن قاتلوني قاتلتهم وإن تركوني لم أطلبهم وعلام يقاتلونني فو الله ما أنا قتلت حسينا ولا أنا ممن قاتله ولقد أصبت بمقتله رحمه الله فإن هؤلاء القوم آمنون فليخرجوا ولينتشروا ظاهرين ليسيروا إلى من قتل الحسين فقد أقبل إليهم وأنا لهم على قاتله ظهير هذا ابن زياد قاتل الحسين و قاتلت خياركم وأماثلكم قد توجه إليكم عهد العاهد به على مسيرة ليلة من جسر منبج فقتاله والاستعداد له أولى وأرشد من أن تجعلوا بأسكم بينكم فيقتل بعضكم بعضا ويسفك بعضكم دماء بعض فيلقاكم ذلك العدو غدا وقد رققتم وتلك والله أمنية عدوكم وإنه قد أقبل إليكم أعدى خلق الله لكم من ولي عليكم هو وأبوه سبع سنين لا يقلعان عن قتل أهل العفاف والدين هو الذي قتلكم ومن قبله أتيتم والذي قتل من تثأرون بدمه قد جاءكم فاستقبلوه بحدكم وشوكتكم واجعلوها به ولا تجعلوها بأنفسكم إني لم آلوكم نصحا جمع الله كلمتنا و كلمتكم و أصلح لنا أئمتنا.
كانت هذه هي الرؤية السياسية لعبد الله بن يزيد وهي رؤية تجنح للاعتدال في معالجة الموقف لأن قتلة الحسن بن علي الفعليين هو بنو أمية بقيادة عبيد الله بن زياد أما من الناحية السياسية فيمكننا القول أن الحسين بن علي وأئمة أهل البيت جميعهم قد قتلهم ذلك النظام السياسي الذي تأسس في سقيفة بني ساعدة والذي يتنازع على وراثته ابن الزبير من ناحية و بنو أمية من ناحية أخرى.
لم يرق هذا التوجه السلمي الذي يحاول تجنب الصدام وإراقة الدماء لإبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله الذي كان عاملا على الخراج لعبد الله بن يزيد فنهض قائلا: أيها الناس لا يغرنكم من السيف والغشم مقالة هذا المداهن الموادع والله لئن خرج علينا خارج لنقتلنه ولئن استقينا أن قوما يريدون الخروج علينا لنأخذن الوالد بولده والمولود بوالده ولنأخذن الحميم بالحميم والعريف بما في عرافته حتى يدينوا للحق ويذلوا للطاعة فوثب إليه المسيب بن نجبة الفزاري فقطع عليه منطقه ثم قال يا ابن الناكثين أنت تهددنا بسيفك وغشمك!! أنت و الله أذل من ذلك إنا لا نلومك على بغضنا وقد قتلنا أباك و جدك والله إني لأرجو ألا يخرجك الله من بين ظهراني أهل هذا المصر حتى يثلثوا بك جدك وأباك وأما أنت أيها الأمير فقد قلت قولا سديدا وغني والله لأظن من يرد هذا الأمر مستنصحا لك و قابلا قولك.
لم يقنع إبراهيم بن محمد بن طلحة بهذا الاتجاه السلمي بل كان مصرا على إشعال الصراع بين (التوابين وقائدهم سليمان بن صرد) والمعسكر الزبيري) ثم تدخل الوسطاء وتمت التهدئة بين الفريقين. تاريخ الطبري ج5 ص 562.
تحرك التوابين:
قال ابن جرير الطبري كان بدء تحركه لما استهل هلال شهر ربيع الأول عام 65 فخرج في وجوه أصحابه حتى أتى عسكره فدار في الناس فلم يعجبه عدتهم فبعث حكيم بن منقذ الكندي في خيل و بعث الوليد بن غصين الكناني في حيل فناديا يا لثارات الحسين و أبلغا المسجد الأعظم فناديا بذلك فخرجا و كانا أول خلق الله دعوا يا لثارات الحسين فسمعهم رجل من بني الأزد فوثب إلى ثيابه فلبسها و دعا بسلاحه و ركب فرسه فقالت له امرأته أجننت قال لا و الله و لكني سمعت داعي الله فأنا مجيبه أنا طالب بدم هذا الرجل حتى أموت أو يقضي الله في أمري ما هو أحب إليه فقالت له إلى من تدع بنيك هذا فقال إلى الله وحده لا شريك له اللهم إني أستودعك أهلي و ولدي اللهم احفظني فيهم و لم يف لسليمان بن صرد من ستة عشر ألف رجل بايعه إلا أربعة آلاف فأقام بالنخيلة ثلاثا يبعث ثقاته من أصحابه إلى من تخلف عنه يذكرهم الله و ما أعطوه من أنفسهم فخرج إليه منهم نحو من ألف رجل.... فقام المسيب بن نجبة الفزاري إلى سليمان بن صرد فقال رحمك الله إنه لا ينفعك الكاره و لا يقاتل معك إلا من أخرجته النية فلا تنتظرن أحدا و أسرع في أمرك قال و الله نعما ما رأيت ثم قام في الناس خطيبا فقال (أيها الناس من أخرجته إرادة وجه الله و ثواب الآخرة فذلك منا و نحن منه فرحمة الله عليه حيا و ميتا و من كان يريد الدنيا و حرثها فو الله ما نأتي فيئا نستفيئه و لا غنيمة نغنمها ما خلا رضوان الله رب العالمين و ما معنا من ذهب و لا فضة و لا خز و لا حرير و ما هي إلا سيوفنا على عواتقنا و رماحنا في أكفنا و زاد قدر البلغة إلى لقاء عدونا فمن كان غير هذا ينوي فلا يصحبنا. 
إلى أين المسير؟؟... حوار داخل معسكر التوابين:
تحرك من تحرك و تجمعت هذه الصفوف من دون أن تكون هناك استراتيجية واضحة و لا هدف محدد سوى الانتقام و الثأر من قتلة الحسين بن علي عليه السلام!!الثأر ممن على وجه التحديد؟؟ من جيش القتلة أم من قائد جيش القتلة عبيد الله بن زياد الذي أفلت برأسه من الكوفة عندما اضطربت أمور بني أمية بعد هلاك يزيد كما أسلفنا من قبل فذهب إلى عاصمة بني أمية حيث لعب دورا رئيسا في لملمة صفوف العصابة الأموية و إبقاء هيمنتها على رقاب المسلمين أما جيش القتلة فكانت أغلبه مقيما وادعا بالكوفة التي خرج منها سليمان بن صرد يبغي غيرها                                                                                                                                                                                        أشار عليه البعض أن يسير إلى عبيد الله بن زياد و أصحابه فوافقهم في ذلك ثم تكلم فريق آخر فقالوا: إنما خرجنا نطلب بدم الحسين و قتلة الحسين كلهم بالكوفة منهم عمر بن سعد بن أبي وقاص و رءوس الأرباع و أشراف القبائل فأنى نذهب ها هنا و ندع الأقتال و الأوتار فقال سليمان بن صرد فماذا ترون فقالوا و الله لقد جاء بالرأي و الله ما نلقى من قتلة الحسين إن نحن مضينا إلى الشام غير ابن زياد و ما طلبتنا إلا ها هنا بالمصر فقال سليمان بن صرد و لكن أنا ما أرى ذلك لكم إن الذي قتل صاحبكم و عبأ الجنود إليه و قال لا أمان له عندي دون أن يستسلم فأمضي فيه حكمي هذا الفاسق ابن الفاسق ابن مرجانة عبيد الله بن زياد فسيروا إلى عدوكم على اسم الله فإن يظهركم الله عليه رجونا أن يكون من بعده أهون شوكة منه و رجونا أن يدين لكم من وراءكم من أهل مصركم في عافية فتنظرون إلى كل من شرك في دم الحسين فتقاتلونه و لا تغشموا و إن تستشهدوا فإنما قاتلتم المحلين و ما عند الله خير للأبرار و الصديقين إني لأحب أن تجعلوا شوكتكم بأول المحلين القاسطين و الله لو قاتلتم غدا أهل مصركم ما عدم رجل أن يرى رجلا قد قتل أخاه و أباه و حميمه أو رجلا لم يكن يريد قتله فاستخيروا الله و سيروا فتهيأ الناس للشخوص.
و بلغ عبد الله بن يزيد و إبراهيم بن محمد بن طلحة خروج ابن صرد و أصحابه فبعثا إليه يقولان إنا نريد أن نجيئك الآن عسى الله أن يجعل لنا و لك فيه صلاحا فجاءا إليه في أشراف الكوفة و استبعد عبد الله بن يزيد كل من عرف باشتراكه في جريمة قتل الحسين بن علي عليه السلام و كان عمر بن سعد بن أبي وقاص يبيت في قصر الإمارة مع عبد الله بن يزيد مخافة أن يأتيه القوم في داره فيقتل فلما التقى الطرفان تكلم عبد الله بن يزيد ثم قال (إن المسلم أخو المسلم لا يخونه و لا يغشه و أنتم إخواننا و أهل بلدنا و أحب أهل مصر خلقه الله إلينا فلا تفجعونا بأنفسكم و لا تستبدوا علينا برأيكم و لا تنقصوا عددنا بخروجكم من جماعتنا أقيموا معنا حتى نتيسر و نتهيأ فإذا علمنا أن عدونا قد شارف بلدنا خرجنا إليهم بجماعتنا فقاتلناهم) و تكلم إبراهيم بن محمد بن طلحة بنحو من هذا الكلام فقام سليمان بن صرد فحمد الله و أثنى عليه ثن قال لهما (قد عملت أنكما قد محضتما النصيحة و اجتهدتما في المشورة فنحن بالله و له و قد خرجنا لأمر و نحن نسأل الله العزيمة على الرشد و التسديد للصواب و لا نرانا إلا شاخصين إن شاء الله ذلك فقال عبد الله بن يزيد فأقيموا حتى نعبئ معكم جيشا كثيفا فتلقوا عدوكم بكثف و جمع واحد فقال سليمان تنصرفون و نرى فيما بيننا و سيأتيكم إن شاء الله رأي).
و روى أبو مخنف عن طريق آخر قال (ثم إن عبد الله بن يزيد و إبراهيم بن محمد بن طلحة لما بلغهما إقبال عبيد الله بن زياد نحو العراق عرضا على سليمان أن يقيم معهم حتى يلقوا جموع أهل الشام على أن يخصاه بخراج جوخى خاصة لهم دون الناس فقال لهما سليمان إنا لم نخرج من أجل الدنيا ثم قام سليمان بن صرد في الناس خطيبا فحمد الله و أثنى عليه ثم قال (أما بعد أيها الناس فإن الله قد علم ما تنوون و ما خرجتم تطلبون و إن للدنيا تجارا و إن للآخرة تجارا فأما تاجر الآخرة فساع إليها متنصب بتطلابها لا يشتري بها ثمنا و لا يرى إلا قاعدا أو قائما و راكعا و ساجدا لا يطلب ذهبا و لا فضة و لا دنيا و لا لذة و أما تاجر الدنيا فمكب عليها راتع فيها لا يبتغي عنها بدلا فعليكم يرحمكم الله في وجهكم هذا بطول الصلاة في جوف الليل و بذكر الله كثيرا في على حال و تقربوا إلى الله جل ذكره بكل خير قدرتم عليه حتى تلقوا هذا العدو المحل القاسط فتجاهدوه فإن تتوسلوا إلى ربكم بشيء هو أعظم عنده ثوابا من الجهاد و الصلاة فإن الجهاد سنام العمل جعلنا الله و إياكم من العباد الصالحين المجاهدين الصابرين على اللأواء و إنا مدلجون الليلة من منزلنا هذا إن شاء الله فأدلجوا.
قال فخرج القوم ليلة الجمعة لخمس مضين من شهر ربيع الآخر سنة خمس و ستين للهجرة.
اجتمع الثوار عند قبر أبي عبد الله الحسين عليه و على آبائه أفضل الصلاة و أتم السلام قال الراوي (فلما انتهى سليمان بن صرد الخزاعي و أصحابه إلى قر الحسين نادوا صيحة واحدة يا رب إنا قد خذلنا ابن بنت نبينا فاغفر لنا ما مضى منا و تب علينا إنك أنت التواب الرحيم و ارحم حسينا و أصحابه الشهداء الصديقين و إنا نشهدك يا رب أنا على مثل ما قتلوا عليه فإن لم تغفر لنا و ترحمنا لنكونن من الخاسرين قال فأقاموا عنده يوما و ليلة يصلون عليه و يبكون و يتضرعون فما انفك الناس من يومهم ذلك يترحمون عليه و على أصحابه حتى صلوا الغداة عند قبره و زادهم ذلك حنقا ثم ركبوا فأمر سليمان الناس بالمسير فجعل الرجل لا يمضي حتى يأتي قبر الحسن فيقوم عليه فيترحم عليه و يستغفر له قال فو الله لرأيتهم ازدحموا على قبره أكثر من ازدحام الناس على الحجر الأسود.
قال الراوي و وقف سليمان بن صرد عند قبر الحسين بن علي عليه السلام فكلما دعا له قوم و ترحموا عليه قال لهم المسيب بن نجبة و سليمان بن صرد الحقوا بإخوانكم رحمكم الله فما زال كذلك حتى بقي نحو من ثلاثين من أصحابه فأحاط سليمان بالقبر هو و أصحابه فقال سليمان الحمد لله الذي لو شاء أكرمنا بالشهادة مع الحسين اللهم إذ حرمتناها معه فلا تحرمناها فيه بعده.
فقال عبد الله بن وال أما و الله إني لأظن حسينا و أباه و أخاه أفضل أمة محمد وسيلة عند الله يوم القيامة أفما عجبتم لما ابتليت به هذه الأمة منهم إنهم قتلوا اثنين و أشفوا بالثالث على القتل.
قال المسيب بن نجبة فأنا ممن قتلهم و من كان على رأيهم بريء إياهم أعادي و أقاتل.
ثم تكلم رؤوس القوم بنحو مما قاله المسيب بن نجبة مؤكدين على البراءة من قتلة الحسين و من أعان على قتله و معلنين تصميمهم على الثأر من كل هؤلاء.
التحرك العسكري:
قلنا من قبل أن خطة التحرك و وجهته كانت مثار جدل و نقاش داخل معسكر (التوابين) فالقتلة الحقيقيون كانوا مقيمين بالكوفة التي خرج منها سليمان بن صرد يطلب غيرها و قد أشار بذلك بعض ممن كانوا معه بقولهم (إنما خرجنا نطلب بدم الحسين و قتلة الحسين كلهم بالكوفة منهم عمر بن سعد بن أبي وقاص و رءوس الأرباع و أشراف القبائل فأنى نذهب ها هنا و ندع الأقتال و الأوتار) أما هو فكانت وجهة نظره تجنح إلى ترك الكوفة و التوجه لقطع رأس الضلال الفاسق ابن زياد و جيشه في الطريق العام ثم الالتفات بعد ذلك للأذناب القابعين بالكوفة و الملتفين وقتها حول عبد الله بن يزيد و المتأهبين لتحويل ولائهم مرة أخرى لبني أمية كما حدث بعد ذلك بالفعل قائلا (إن الذي قتل صاحبكم و عبأ الجنود إليه و قال لا أمان له عندي دون أن يستسلم فأمضي فيه حكمي هذا الفاسق ابن الفاسق ابن مرجانة عبيد الله بن زياد فسيروا إلى عدوكم على اسم الله فإن يظهركم الله عليه رجونا أن يكون من بعده أهون شوكة منه و رجونا أن يدين لكم من وراءكم من أهل مصركم في عافية فتنظرون إلى كل من شرك في دم الحسين فتقاتلونه و لا تغشموا و إن تستشهدوا فإنما قاتلتم المحلين و ما عند الله خير للأبرار و الصديقين).
كان من الواضح أنها خطة تجمع بين الطموح و المثالية غير القابلة للتحقيق في زمن كان الغدر و النكث أيسر على كل هؤلاء من شرب الماء البارد الزلال.
أضف إلى ذلك أن خروج سليمان بن صرد في هذا التوقيت بالذات الذي استعر فيه الصراع بين الجناحين السلطويين الذين يريد كل منهم نهش لحم الأمة و امتلاك ثرواتها معسكر عبد الله بن الزبير القابع في مكة و المعسكر الأموي الذي يسعى للملمة صفوفه و استعادة مواقعه المفقودة كان بمثابة هدية مجانية منه لأحد المعسكرين فهو بقتاله لعبيد الله بن زياد كان ذلك يوفر الكثير من الجهد و التضحيات للمعسكر الزبيري الذي اجتهد مرارا و تكرارا أن يقنعه بقبول الدعم المالي لأن خروجه في هذا التوقيت يصب في مصلحته غير أنه لم يقبل و لم يتريث حتى يحدث الصدام أولا بين الفريقين السلطويين فيقطف هو الثمرة!! إنه نموذج للسذاجة السياسية و غلبة الحالة الانفعالية على التخطيط السياسي العقلاني الذي كان بإمكانه أن يغير المعادلات تغييرا حقيقيا في أرض الواقع بدلا من تقديم المزيد من الشهداء من أجل هدف لم يتحقق منه إلا أقل القليل بأكبر قدر من الثمن و التضحيات.

التوجه نحو ساحة القتال:
أصدر سليمان بن صرد أوامره لجيشه من الثوار بالتحرك نحو هدف لم يكن واضحا حتى من الناحية العسكرية و حاول عبد الله بن يزيد عامل ابن الزبير أن يثنيهم عن هذا القرار الخاطئ غير المدروس مرة أخرى فأرسل إليهم رسالة (من عبد الله بن يزيد إلى سليمان بن صرد و من معه من المسلمين سلام الله عليكم أما بعد فإن كتابي هذا كتاب ناصح لكم و كم من ناصح مستغش و كم من غاش مستنصح….. إنه قد بلغني أنكم تريدون المسير بالعدد الكثير إلى الجمع الكثير و إنه من يرد أن ينقل الجبال عن مراتبها تكل معاوله و ينزع و هو مذموم العقل و الفعل يا قومنا لا تطمعوا عدوكم في أهل بلادكم فإنكم خيار كلكم و متى ما يصبكم عدوكم يعلموا أنكم أعلام مصركم فيطمعهم ذلك فيمن وراءكم يا قومنا (إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم  و لن تفلحوا إذا أبدا) يا قوم إن أيدينا و أيديكم اليوم واحدة و إن عدونا و عدوكم واحد و متى نجتمع نظهر على عدونا و متى تختلف تهن شوكتنا على من خالفنا يا قومنا لا تستغشوا نصحي و لا تخالفوا أمري و أقبلوا حين يقرأ عليكم كتابي أقبل الله بكم إلى طاعته و أدبر بكم عن معصيته).
قال الراوي فلما قرئ الكتاب على ابن صرد و أصحابه قال لهم ما ترون؟؟ قالوا ماذا ترى قد أبينا هذا عليكم و عليهم و نحن في مصرنا و بين أهلنا فالآن خرجنا و وطنا أنفسنا على الجهاد و دنونا من أرض عدونا! ما هذا برأي ثم نادوه أخبرنا برأيك قال رأيي و الله أنكم لم تكونوا قط أقرب من إحدى الحسنيين منكم يومكم هذا الشهادة و الفتح و لا أرى أن تنصرفوا عما جمعكم الله عليكم من الحق و أردتم به من الفضل إنا و هؤلاء مختلفون إن هؤلاء لو ظهروا دعونا إلى الجهاد مع ابن الزبير و لا أرى الجهاد مع ابن الزبير إلا ضلالا و إنا إن ظهرنا رددنا هذا الأمر إلى أهله و إن أصبنا فعلى نياتنا تائبين من ذنوبنا و أن لنا شكلا و إن لابن الزبير شكلا إنا و إياهم كما قال أخو بني كنانة:
أرى لك شكلا غير شكلي فأقصري   عن اللوم إذ بدلت و اختلفت الشكل
قال فانصرف الناس معه حتى نزلوا هيت فكتب سليمان إلى عبد الله بن يزيد (سلام عليك أما بعد فقد قرأنا كتابك و فهمنا ما نويت فنعم و الله الوالي و نعم الأمير و نعم أخو العشيرة أنت و الله من نأمنه بالغيب و نستنصحه في المشورة و نحمده على كل حال إنا سمعنا الله عز و جل يقول في كتابه (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بان لهم الجنة….. إلى قوله تعالى و بشر المؤمنين) إن القوم قد استبشروا ببيعتهم التي بايعوا إنهم قد تابوا من عظيم جرمهم و قد توجهوا إلى الله و توكلوا عليه و رضوا بما قضى الله (ربنا عليك توكلنا و إليك أنبنا و إليك المصير) و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته).
فلما قرأ عبد الله بن يزيد الرسالة قال (استمات القوم أول خبر يأتيكم عنهم قتلهم و أيم الله ليقتلن كراما مسلمين لا و الذي هو ربهم لا يقتلهم عدوهم حتى تشتد شوكتهم و تكثر القتلى فيما بينهم).
على أبواب قرقيسيا:
وصل جيش الثوار إلى قرقيسيا فنزل بالقرب منها و بها زفر بن الحارث الكلابي قد تحصن بها من القوم و لم يخرج إليهم فبعث سليمان المسيب بن نجبة فقال ائت ابن عمك هذا فقل له فليخرج إلينا سوقنا فإنا لسنا إياه نريد إنما صمدنا لهؤلاء المحلين فخرج المسيب بن نجبة حنى انتهى إلى باب قرقيسيا فقال افتحوا ممن تحصنون؟؟ فقالوا من أنت؟؟ قال أنا المسيب بن نجبة فأتى الهذيل بن زفر أباه فقال هذا رجل حسن الهيئة يستأذن عليك و سألناه من هو فقال المسيب بن نجبة قال و أنا إذ ذاك لا علم لي بالناس و لا أعلم أي الناس هو فقال لي أبي أما تدري أي بني من هذا؟؟ هذا فارس مضر الحمراء كلها و إذا عد من أشرافها عشرة كان أحدهم و هو بعد رجل ناسك له دين ائذن له فأذنت له فأجلسه أبي إلى جانبه و ساءله و ألطفه في المسألة فقال المسيب بن نجبة ممن تتحصن؟؟ إنا و الله ما إياكم نريد و ما اعترينا إلى شيء إلا أن تعيننا على هؤلاء القوم الظلمة المحلين فأخرج لنا سوقا فإنا لا نقيم بساحتكم إلا يوما أو بعض يوم فقال له زفر بن الحارث إنا لم نغلق أبواب هذه المدينة إلا لنعلم إيانا أعتريتم أم غيرنا! إنا و الله ما بنا عجز عن الناس ما لم تدهمنا حيلة و ما نحب أن بلينا بقتالكم و قد بلغنا عنكم صلاح و سيرة حسنة جميلة…………….. ثم دعا ابنه فأمره أن يضع لهم سوقا و أمر للمسيب بألف درهم و فرس فقال له المسيب أما المال فلا حاجة لي فيه و الله ما له خرجنا و لا إياه طلبنا و أما الفرس فإني أقبله لعلي أحتاج إليه إن ظلع فرسي أو غمز تحتي فخرج به حتى أتى أصحابه و أخرجت لهم السوق فتسوقوا و تزودا بما احتاجوا إليه من طعام ثم ارتحلوا من الغد و بعث إليهم زفر إني خارج إليكم فمشيعكم  فأتاهم و مشى مع سليمان بن صرد الخزاعي و أخبره بما وصل إليه من أخبار عن ضخامة حجم الجيش الأموي القادم لمهاجمة الكوفة و إعادتها لطاعة بني أمية مرة أخرى قائلا (قد بلغني أنه قد أقبلت إليكم عدة لا تحصى فقال ابن صرد على الله توكلنا و عليه فليتوكل المتوكلون فقال له زٌفر فهل لكم في أمر أعرضه عليكم لعل الله أن يجعل لنا و لكم خيرا؟؟ إن شئتم فتحنا لكم مدينتنا فدخلتموها فكان أمرنا واحدا و أيدينا واحدة و إن شئتم نزلتم على باب مدينتنا و خرجنا فعسكرنا إلى جانبكم فإذا جاءنا هذا العدو قاتلناهم جميعا فقال سليمان لزٌفر قد أرادنا أهل مصرنا على مثل ما أردتنا عليه و ذكروا مثل الذي ذكرت و كتبوا به إلينا بعد ما فصلنا فلم يوافقنا ذلك فلسنا فاعلين فقال زفر فانظروا ما أشير به عليكم فاقبلوه و خذوا به فإني للقوم عدو و أحب أن يجعل الله عليهم الدائرة و أحب أن يحوطكم الله بالعافية ….. إن القوم قد خرجوا من الرقة فبادروهم إلى عين الوردة فاجعلوا المدينة في ظهوركم و يكون الرستاق و الماء في أيديكم و ما بين مدينتنا فأنتم له آمنون ……….. اطووا المنازل الساعة إلى عين الوردة فإن القوم يسيرون سير العساكر و أنتم على خيول تأهبوا لها من اليوم فإني أرجو أن تسبقوهم إليها). فأقبل سليمان بن صرد حتى انتهى إلى عين الوردة فنزل في غربيها و سبق القوم إليها فعسكروا و أقاموا بها خمسة أيام لا يبرحون.


معركة عين الوردة
قال الراوي أقبل أهل الشام في عساكرهم ناحية عين الوردة فلما اقتربوا منها قام سليمان بن صرد في الناس خطيبا فحمد الله و أثنى عليه و ذكر الدنيا فزهد فيها و كر الآخرة فرغب فيها ثم قال أما بعد فقد أتاكم الله بعدوكم الذي دأبتم في المسير إليه آناء الليل و النهار تريدون فيما تظهرون التوبة النصوح و لقاء الله معذرين فقد جاءوكم بل جئتموهم أنتم في دارهم و حيزهم فإذا لقيتموهم فاصدقوهم و اصبروا إن الله مع الصابرين و لا يولينهم امرؤ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة و لا تقتلوا مدبرا و لا تجهزوا على جريح و لا تقتلوا أسيرا من أهل دعوتكم إلا أن يقاتلكم بعد أن تأسروه أو يكون من قتلة إخواننا بالطف رحمة الله عليهم فإن هذه كانت سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في أهل هذه الدعوة ثن قال سليمان إن أنا قتلت فأمير الناس المسيب بن نجبة فإن أصيب المسيب فأمير الناس عبد الله بن سعد بن نفيل فإن قتل عبد الله بن سعد فأمير الناس عبد الله بن وال فإن قتل عبد الله بن وال فأمير الناس رفاعة بن شداد………. رحم الله امرأ صدق ما عاهد الله عليه ثم بعث المسيب بن نجبة في أربعمائة فارس فقال له سر حتى تلقى أول عسكر من عساكرهم فتشن فيهم الغارة فإذا رأيت ما تحبه و إلا انصرفت إلى في أصحابك و إياك أن تنزل أو تدع أحدا من أصحابك أن ينزل أو يستقبل آخر ذلك حتى لا تجد منه بٌدا).
ثم إن المسيب بن نجبة أغار على عسكر ابن ذي الكلاع فانهزموا و أصيب منهم فريق و جرح فريق آخر و انهزموا فنادى المسيب بن نجبة الرجعة إنكم قد نصرتم و غنمتم و سلمتم فانصرفوا.
فأتى الخبر إلى عبيد الله بن زياد فسرح إليهم الحصين بن نمير (قائد الجيش الذي حاصر الكعبة و هدمها في عهد يزيد اللعين) في اثني عشر ألفا فكانت المواجهة بين الفريقين فجعل سليمان بن صرد عبد الله بن سعد بن نفيل على ميمنته و على ميسرته المسيب بن نجبة الفزاري و وقف هو في القلب و جاء حصين بن نمير في جنده فجعل على ميمنته جبلة بن عبد الله و على ميسرته ربيعة بن المخارق الغنوي ثم زحف إلى معسكر التوابين فدعاهم إلى طاعة عبد الملك بن مروان و في المقابل دعاهم سليمان بن صرد إلى تسليم عبيد الله بن زياد ليقتل بمن قتل من أهل البيت و شيعتهم و أن يخلعوا عبد الملك بن مروان على أن يرد الأمر إلى أهل بيت العصمة و النبوة فأبى كل منهما الاستجابة لمطالب الفريق المقابل.
ثم حمل التوابون على معسكر الحصين بن نمير فهزموهم و ما زال الظفر لجيش سليمان بن صرد حتى حجز الليل بينهم فلما كان من الغد صبحهم ابن ذي الكلاع في ثمانية آلاف أمدهم بهم عبيد الله بن زياد و التهب القتال بين الفريقين ثلاثة أيام و كان أن تكاثر عسكر بني أمية و أحاطوا بالتوابين من كل جانب فلما رأى سليمان ما نزل بأصحابه نزل فنادى عباد الله من أراد البكور إلى ربه و التوبة من ذنبه و الوفاء بعهده فإلي ثم كسر جفن سيفه و نزل معه ناس كثير فكسروا جفان سيوفهم و مشوا معه و انزوت خيلهم حتى اختلطت مع الرجال فقاتلوهم حتى نزلت الرجال تشتد مصلتة بالسيوف و قد كسروا الجفون فحمل الفرسان على الخيل و لا يثبتون فقاتلوهم و قتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة و جرحوا فيهم فأكثروا الجراح فلما رأى الحصين بن نمير صبر القوم و بأسهم بعث الرجال ترميهم بالنبل و اكتنفتهم الخيل و الرجال فقتل سليمان بن صرد فلما قتل سليمان بن صرد أخذ الراية المسيب بن نجبة و قال له رحمك الله يا أخي لقد صدقت و وفيت بما عليك و بقي ما علينا ثم أخذ الراية فشد بها فقاتل ساعة ثم رجع ثم قاتل بها ثم شد بها فقاتل ثم رجع ففعل ذلك مرارا يشد و يرجع ثم قتل رضوان الله عليه.
ثم أخذ عبد الله بن سعد بن نفيل الراية بعد المسيب بن نجبة فقاتل حتى قتل رحمة الله عليه ثم انتقلت الراية إلى عبد الله بن وال بعد قتل عبد الله بن نفيل فقتل هو الآخر قال الراوي: لما قتل عبد الله بن وال أعطيت الراية لرفاعة بن شداد البجلي فقال له رجل من بني كنانة يقال له الوليد بن غصن خذ رايتك قال لا لأريدها ارجعوا بنا لعل الله يجمعنا ليوم شر لهم!! فوثب إليه عبد الله بن عوف بن الأحمر قائلا أهلكتنا و الله لئن انصرفت ليركبن أكتافنا و لا نبلغ فرسخا حتى نقتل عن آخرنا فإن نجا منا ناج أخذه الأعراب و أهل القرى فتقربوا إليهم به فيقتل صبرا أنشدك الله أن تفعل هذه الشمس قد طفلت للمغيب و هذا الليل قد غشينا فنقاتلهم على خيلنا هذه فإنا الآن ممتنعون فإذا غسق الليل ركبنا خيولنا أول الليل فرمينا بها فكان ذلك الشأن حتى نصبح و نسير و نحن على مهل فيحمل الرجل منا جريحه و ينتظر صاحبه و تسير العشرة و العشرون معا و يعرف الناس الوجه الذي يأخذون فيتبع فيه بعضهم بعضا و لو كان الذي ذكرت لم تقف أم على ولدها و لم يعرف رجل وجهه و لا أين يسقط و لا أين يذهب و لم نصبح إلا و نحن بين مقتول و مأسور فقال له رفاعة بن شداد نعم ما رأيت………
و أخذ أهل الشام يتنادون إن الله قد أهلكهم فأقدموا عليهم فافرغوا منهم قبل الليل فأخذوا يقدمون عليهم فيقدمون على شوكة شديدة و يقاتلون فرسانا شجعانا فقاتلوهم حتى العشاء قتالا شديدا و قتل الكناني قبل المساء و خرج عبد الله بن عزيز الكندي و معه ابنه محمد غلام صغير فقال يا أهل الشام هل فيكم أحد من كندة فخرج إليهم منهم رجال فقالوا نعم فقال لهم دونكم أخوكم فابعثوا به إلى قومكم بالكوفة فأنا عبد الله بن عزيز الكندي فقالوا له أنت ابن عمنا فأنت آمن فقال لهم و الله لا أرغب عن مصارع إخواني الذي كانوا للبلاد نورا و للأرض أوتادا و بمثلهم كان الله يذكر قال فأخذ ابنه يبكي في أثر أبيه فقال يا بني لو أن شيئا كان آثر عندي من طاعة ربي إذا لكنت أنت و ناشده قومه الشأميون لما رأوا من جزع ابنه و بكائه في أثره و أروا له و لابنه رقة شديدة حتى جزعوا و بكوا ثم اعتزل الجانب الذي خرج إليه منه قومه فشد على صفهم عند المساء فقاتل حتى قتل.

نهاية المعركة:
قال الراوي: قلما أمسى الناس و رجع أهل الشام إلى معسكرهم نظر رفاعة إلى كل رجل قد عقر به و إلى كل جريح لا يعين على نفسه فدفعه إلى قومه ثم سار بالناس ليلته كلها حتى عبر نهر الخابور عند الصباح و قطع المعابر ثم مضى لا يعبر معبر إلا قطعه و سار بالناس فأسرع و خلف وراءه أبا الجويرية العبدي في سبعين فارسا يسترون الناس حتى انتهوا إلى قرقيسيا من جانب البر فبعث إليهم زفر بن الحارث بالطعام و الشراب و الأطباء و قال أقيموا عندنا ما أحببتم فإن لكم الكرامة و المواساة فأقاموا ثلاثا ثم انصرف أهل المدائن إلى المدائن و أهل البصرة إلى البصرة و أهل الكوفة إلى الكوفة و طويت صفحة التوابين و ثورتهم بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي.

 


مكتمات أعشى همدان في رثاء الثوار
ألم خيال منكِ يا أم غالبِ               فحييتِ عنا من حبيبٍ مجانبِ

و ما زلتِ لي شجوا و ما زلتُ مُقصدا    لِهَمٍ عراني من فراقك ناصب

فما أنس لا أنس انفتالكِ في الضُحى   إلينا مع البيض الوسام الخراعبِ

تراءت لنا هيفاء مهضومةَ الحشا    لطيفةَ طي الكشحِ ريا الحقائبِ

مبتلةً غراء رؤدٌ شبابها         كشمس الضحى تنكل بين السحائب

فلما تغشاها السحابُ و حولَه    بدا حاجبٌ منها و ضنت بحاجب
فتلك الهوى و هي الجوى لي و المنى   فأحبب بها من خلة لم تصاقب  
و لا يبعدِ الله الشباب و ذِكرَهُ     و حب تصافي المعصرات الكواعب

و يزداد ما أحببتُه من عتابنا   لُعابا و سُقيا للخدين المقاربِ

فإني و أن لم أنسهن لذاكرٌ     رزيئة مِخبات كريم المناصبِ

توسل بالتقوى إلى الله صادقا      و تقوى الإله خير تَكساب كاسب
و خلى عن الدنيا فلم يلتبس بها   و تاب إلى الله الرفيع المناصبِ

تخلى عن الدنيا و قال أطرحُتها   فلست إليها ما حييت بآيب

و ما أنا فيما يُكبرُ الناس فقده   و يسعى له الساعون فيها براغب

فوجهه نحو الثوية سائرا       إلى ابن زياد في الجموع الكباكب

بقوم هم أهل التقية و النهى     مصاليتُ أنجادٌ سُراةُ مناجب

مضوا تاركي رأي ابن طلحة     حسبه و لم يستجيبوا للأمير
المخاطب
فساروا و هم من بين ملتمس التقى و آخر مما جر بالأمس تائب

فلاقوا بعين الوردة الجيش فاصلا    إليهم فحسوهم بيِض قواضب

يمانية تذري الأكف و تارة     بخيل عِتاق مقْربات سلاهب

فجاءهم جمع من الشام بعده   جموع كموج البحر من كل جانب

فما برحوا حتى أبيدت سُراتُهم  فلم ينجٌ منهم ثَم غيرُ عصائب

و غودر أهل الصبر صرعى فأصبحوا   تعاورهم ريح الصَبا و الجنائب

فأضحى الخزاعي الرئيس مجَدلاً    كأن لم يقاتل مرةً أو يحارب

و رأسُ بني شمخٍ و فارس قومه   شنوءة و التيمي هادي الكتائب

و عمرو بن بشرٍ و الوليدُ و خالدٌ  و زيد بن بكرٍ و الحليسُ بن غالب

و ضارب من همدان كل مشيع  إذا شد لم ينكل كريمُ المكاسب

و من كل قومٍ قد أصيب زعيمهم  و ذو حسبٍ في ذروة المجدِ ثاقب
أبوا غير ضربٍ يفلق الهام وقعُهُ  و طعن بأطراف الأسنة صائب

و إن سعيدا يومَ يدمُرُ عامرا     لأشجع من ليث بدُرنَى مواثب

فيا خير جيش للعراق و أهله  سُقيتم رَوايا كل أسحَمَ ساكب

فلا يبعدن فرساننا و حماتنا إذا البِيِض أبدت عن خدام الكواعب

فإن يقتلوا فالقتل أكرم ميتة و كل فتى يوما لإحدى الشواعب

و ما قتلوا حتى أثاروا عصابة      محلين ثورا كالليوث الضوارب
و قد سميت هذه القصيدة و غيرها بالمكتمات لأنهن كن يكتمن في ذلك الزمان.

قراءة تحليلية لحركة التوابين:
انتهت حركة التوابين كما أسلفنا من دون تحقيق أي هدف من الأهداف الرئيسية التي خرجت من أجلها فلا هي قطعت رأس الضلال عبيد الله بن زياد صاحب الدور المحوري في الحفاظ على الدولة الأموية التسلطية الإرهابية و تجميع صفوفها مرة أخرى و صاحب الدور الرئيس في قتل أبي عبد الله الحسين و العترة الطاهرة و صاحب الدور البشع في قتل من ذكرناهم سابقا من معارضيه السياسيين الذين جرى تصنيفهم باعتبارهم من الخوارج و ها هو الآن يعود لاستعادة الكوفة و إدخالها مرة أخرى في سلطان بني أمية.
إنه أي (سليمان بن صرد) نموذج يجمع بين النبل و الإخلاص من ناحية و قلة الوعي و الخبرة السياسية من ناحية أخرى بالإضافة إلى ما سيظهر بعد قليل عندما نتحدث عن حركة المختار بن عبيد الثقفي من عدم وجود صلة مباشرة بين قادة حركة التوابين و أئمة أهل البيت عليهم السلام (الإمام السجاد- علي بن الحسين عليه السلام) إمام ذلك العصر ذلك الارتباط و التواصل الذي كان قائما مع المختار الثقفي رضوان الله عليه و الذي كان يحدد له خطواته و يقوده في مساره من أجل تحقيق الأهداف السياسية لإمامة أهل البيت تلك الإمامة التي لم تكن قادرة يومها على التصدي المباشر لإدارة شئون الأمة أو لقيادة حركة معارضة ثورية من نوع و وزن حركة المختار بن عبيد الثقفي.
النقطة الهامة الأخرى البارزة في هذه الحركة أن  سليمان بن صرد رضوان الله عليه لم يكن يدعو لنفسه و لا لإقامة خلافة خزاعية مقابل خلافة أموية أو زبيرية بل كانت أهدافه المعلنة تدور بين أمرين لا ثالث لهما.
الأول هو الثأر من قتلة الحسين بن علي عليه السلام.
و الهدف الثاني حال نجاحه في تحقيق الهدف الأول هو رد الأمر إلى أهله من أئمة أهل البيت عليهم السلام و هي السمة الفارقة بين ما يمكن نسبته لأهل البيت تشيعا و منهجا و ولاء و بين ما ينبغي نسبته إلى أصحابه أيا كان الاسم أو الصفة التي يعملون تحت عنوانها و في ظلها و هذا هو الشأن الآن فيما يتعلق بالحركات المنتسبة للإسلام و العاملة في الساحة.
و يبقى أن نتحدث عما أثاره المعادون لأهل البيت عليهم السلام و خاصة في أيامنا هذه من محاولة ربط هذه الثورات الشيعية بما يسمونه بالجماعات الإرهابية المعاصرة و العبرة الأساس في كل هذا بمشروعية التحرك و من الذي فتح الباب لسفك الدماء و اغتصاب إرادة الأمة لقد كان هؤلاء المتهمين واضحين وضوح الشمس آنئذ و كانت دماء الحسين و أهل بيته الطيبين الطاهرين ما زالت غضة طرية حتى هذه اللحظات فثأر الحسين موجود عند أشخاص معروفون بعينهم و الاقتصاص من هؤلاء القتلة أمر واجب و مبرر تماما من الناحية الشرعية و الأخلاقية و هؤلاء الثوار رضوان الله عليهم لم يكونوا طلاب سلطة يسفكون دماء من يعترض رحلة صعودهم التسلطية كما هو الحال مع هذه الجماعات الخوارجية المعاصرة التي افتتحت أعمالها (الجهادية) المزعومة باغتيال قاض و رئيس وزراء و محاولة فاشلة لنسف محكمة و نسف مقهى يرتاده أناس لم يكونوا يوما حائلا بينهم و بين وصولهم للسلطة.
و من هنا فيمكننا أن نصنف حركة التوابين في إطار الحركات ذات الأهداف المشروعة التي خرجت لتنفذ قوله تعالى (و لكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تفلحون).

 


حركة المختار بن أبي عبيد الثقفي
إنه أحد الموصوفين من قبل خصوم مدرسة أهل البيت بالانحراف و الزيغ العقائدي و هي تهمة يجري إلصاقها تلقائيا بكل من ينتمي فكريا و عقائديا و سياسيا إلى تلك الشجرة المباركة التي هو مظهر النور الإلهي و الهداية الربانية ….. هذه التهمة التي سيجري توجيهها إليك تلقائيا لمجرد الحب و الموالاة و الاتباع الفقهي فكيف برجل قتل قاتليهم و ثأر من ظالميهم فتارة ينسبون إلى أسماء بنت أبي بكر اتهامها له بأنه المقصود بما ورد في تلك الرواية المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه و  آله (يخرج من ثقيف مبير و كذاب أما المبير فهو الحجاج و أما الكذاب فهو المختار) و تارة يقولون و العهدة على ابن قتيبة الدينوري في معارفه أن المختار بن أبي عبيد الثقفي (كان يزعم أن جبريل يأتيه ) و على كل حال فإن القوم لم يتركوا نوعا من الغمز أو اللمز إلا ألحقوه بالمختار و أصحابه و هذا دأبهم مع كل من تظهر عليه أعراض الموالاة لأهل بيت العصمة و النبوة فهم (الخشبية) على حد تعبير ابن جرير الطبري في تاريخه عند ذكره لأحداث عام 66 فيقول (و في هذه السنة قدمت الخشبية إلى مكة و موافاتهم الحج) و لعمر الله إن الذي جاء بهؤلاء الخشبية إلى مكة كان هدفا نبيلا هو إنقاذ من تبقى من أهل البيت من بين أيدي عبد الله الزبير الذي ابتلي بحالة من السعار السياسي دفعه لجمع أهل البيت و إحاطتهم بالحطب و المواد السريعة الاشتعال و تخييرهم بين البيعة له أو القتل حرقا و الواقع أن هؤلاء (الخشبية)  حالوا بينه و بين ارتكاب جريمة بشعة كان من الممكن إضافتها إلى الجرائم التي ارتكبت في هذه الحقبة و التي يزعم السادة البسطاء أنها من خير القرون و على كل فلنقرأ القصة من بدايتها أي من بداية تحرك المختار طلبا لثأر الحسين بن علي و أهل بيته الطيبين.
بداية التحرك: روى ابن جرير الطبري (لما بعث الحسين بن علي عليه السلام مسلم بن عقيل نزل في دار المختار بالكوفة فبايعه المختار فيمن بايعه من أهل الكوفة وناصحه ودعا إليه من أطاعه حتى خرج مسلم بن عقيل والمختار خارج الكوفة وكان خروج مسلم على غير موعد مع أصحابه وكان سبب خروجه لما قيل له أن هانئ بن عروة المرادي قد ضرب وحبس فأقبل المختار مع رجاله حتى انتهى إلى باب الفيل بعد غروب الشمس وقد عقد عبيد الله بن زياد لعمرو بن حريث راية على جميع الناس وأمره أن يقعد لهم في المسجد فمر به هانئ بن أبي حية وهو من رجالات بني أمية فقال للمختار ما وقوفك ها هنا لا أنت مع الناس ولا أنت في رحلك فرد عليه المختار قائلا أصبح رأيي مرتجا لعظيم خطيئتكم فقال له أظنك والله قاتلا نفسك ثم دخل على عمرو بن حريث فأخبره بخبر المختار وما دار بينهما من جدال فأرسل عمرو بن حريث في طلب المختار فوثب أحد الجالسين من أبناء عمومة المختار قائلا: يأتيك على أنه آمن؟؟ فقال أما مني فهو آمن و إن رقي الأمر إلى عبيد الله بن زياد أقمت له بمحضر الشهادة و شفعت له أحسن الشفاعة….
فذهب القوم إلى المختار وجاءوا به إلى عمرو بن حريث فسلم عليه وجلس تحت رايته حتى أصبح وتذاكر الناس أمر المختار وفعله فمشى عمارة بن عقبة بن أبي معيط بذلك إلى عبيد الله بن زياد فلما ارتفع النهار دخل المختار مع من دخل من الناس إليه فدعاه عبيد الله فقال له أنت المقبل في الجموع لتنصر ابن عقيل فقال له لم أفعل ولكني أقبلت ونزلت تحت راية عمرو بن حريث وبت معه وأصبحت فقال له عمرو صدق أصلحك الله قال فرفع القضيب فاعترض به وجه المختار وضرب به عينه فشترها وقال أولى لك أما والله لولا شهادة عمرو لك لضربت عنقك انطلقوا به إلى السجن فانطلقوا به فحبس حتى قتل الحسين.
ثم إن المختار بعث إلى زائدة بن قدامة فسأله أن يسير إلى عبد الله بن عمر بالمدينة فيسأله أن يكتب إلى يزيد بن معاوية ليخلي سبيله وكانت صفية أخت المختار زوجة لعبد الله بن عمر فبكت وجزعت لما علمت بخبر حبس أخيها فكتب عبد الله بن عمر إلى يزيد متشفعا في إطلاق سراح المختار ففعل يزيد و كان إطلاق سراحه من سجن عبيد الله بن زياد.
ولما أطلق عبيد الله سراح المختار قال له قد أجلتك ثلاثا فإن أدركتك بالكوفة بعدها برئت منك الذمة فخرج إلى رحله وقال ابن زياد قد اجترأ علي زائدة حتى يأتيني بالكتاب في تخلية رجل قد كان من شأني أن أطيل حبسه, علي به فمر به عمرو بن نافع أبو عثمان قائلا النجاء بنفسك.
فلما كان اليوم الثالث خرج المختار من الحجاز وفي الطريق التقى مولى لثقيف قال: فرحبت به وعطفت إليه فلما رأيت شتر عينه استرجعت له وقلت له ما بال عينك صرف الله عنك السوء فقال خبط عيني ابن الزانية بالقضيب فصارت إلى ما ترى فقلت له ماله شلت أنامله فقال له المختار قتلني الله إن لم أقطع أنامله وأباجله وأعضاءه إربا إربا قال فعجبت لمقالته فقلت له ما علمك بذلك رحمك الله فقال لي ما أقول لك فاحفظه عني حتى ترى مصداقه قال ثم طفق يسألني عن عبد الله بن الزبير فقلت له لجأ إلى البيت فقال إنما أنا عائذ برب هذا البيت و الناس يتحدثون أنه يبايع سرا ولا أراه إلا لو قد اشتدت شوكته واستكثف من الرجال إلا سيظهر الخلاف قال أجل لا شك في ذلك أما إنه رجل العرب اليوم أما و الله إنه إنْ يخطُط في أثري ويسمع قولي أكفه أمر الناس وإلا يفعل فو الله ما أنا بدون أحد من العرب يا ابن العراق إن الفتنة قد أرعدت وأبرقت وكأن قد انبعثت فوطئت في خطامها فإذا رأيت ذلك وسمعت به بمكان قد ظهرتُ فيه فقل إن المختار في عصائبه من المسلمين يطلب بدم المظلوم الشهيد المقتول بالطف سيد المسلمين وابن سيدها الحسين بن علي فو ربك لأقتلن بقتله عدة القتلى التي قتلت على دم يحيى بن زكريا عليه السلام فقلت له سبحان الله وهذه أعجوبة مع الأحدوثة الأولى فقال هو ما أقول لك فاحفظه عني حتى ترى مصداقه ثم حرك راحلته فمضى فتعجبت في نفسي مما قاله قال فو الله ما مت حتى رأيت كل ما قاله قد تحقق.
ثم قدم المختار إلى مكة (والرواية عن سهل بن سعد) فجاء إلى عبد الله بن الزبير فسلم عليه فرد عليه ابن الزبير ورحب به وأفسح له ثم قال حدثني عن حال الناس بالكوفة يا أبا إسحاق قال هم لسلطانهم في العلانية أولياء وفي السر أعداء فقال له ابن الزبير هذه صفة عبيد السوء إذا رأوا أربابهم خدموهم وأطاعوهم فإذا غابوا عنهم شتموهم و لعنوهم قال فجلس معنا ساعة ثم إنه مال إلى ابن الزبير كأنه يساره فقال له ما تنتظر ابسط يدك أبايعك و أعطنا ما يرضينا و ثب على الحجاز فإن أهل الحجاز كلهم معك و قام المختار فخرج فلم يُرَ حولا ثم إني بينا أنا جالس مع ابن الزبير إذ قال لي متى عهدك بالمختار بن أبي عبيد؟؟ فقلت له ما لي به عهد منذ رأيته عندك عاما أول فقلت سمعت نفرا من أهل الطائف جاؤا معتمرين يزعمون أنه قدم عليهم الطائف وأنه يزعم انه صاحب الغضب ومبير الجبارين فقال ابن الزبير قاتله الله لقد انبعث كذابا متكهنا إن الله إن يهلك الجبارين يكن المختار أحدهم قال الراوي فو الله ما انتهينا من كلامنا حتى ظهر المختار في جانب من جوانب المسجد فأتي البيت فاستقبل الحجر ثم طاف بالبيت ثم صلى ركعتين عند الحِجر ثم جلس فما لبث أن مر به رجال من معارفه من أهل الطائف وغيرهم من أهل الحجاز فجلسوا إليه واستبطأ ابن الزبير قيامه إليه فقال ما له لا يأتينا فقلت سأعلم لك علمه قال فمررت به كأني أريد الخروج من المسجد ثم التفت إليه فأقبلت نحوه ثم سلمت عليه و جلست معه فقلت له أبالطائف كنت؟؟ فقال لي كنت بالطائف و غير الطائف و عمى أمره فناجيته قائلا مثلك يغيب عما اجتمع عليه أهل الشرف من قريش والأنصار وثقيف فقد بايعوا جميعا لهذا الرجل فعجبا لك ألا تكون بايعته وأخذت بحظك من هذا الأمر فقال لي فقد أتيته العام الماضي فأشرت عليه بالرأي فطوى أمره دوني فلما استغنى عني أحببت أن أريه أني مستغن عنه فو الله لهو أحوج إلي مني إليه فقلت له لقد كلمته علانية و هذا الكلام لا ينبغي أن يكون إلا سرا … القه الليلة إن شئت و أنا معك فقال إني فاعل إذا صلينا العتمة أتيناه و أتعدنا الحِجر.
جلس الرجلان فقال له المختار بعد أن حمد الله و أثنى عليه: إني جئتك لأبايعك على ألا تقضي الأمور دوني و على أن أكون أول من تأذن له و إذا ظهرت استعنت بي على أفضل عملك فقال له ابن الزبير أبايعك على كتاب الله و سنة رسوله فرد عليه المختار قائلا لا و الله لا أبايعك إلا على هذه الخصال.
قال الراوي فقلت لابن الزبير اشتر منه دينه حتى ترى رأيك فقال له ابن الزبير فإن لك ما سألته فبسط يده فبايعه و مكث معه حتى شهد الحصار الأول حين قدم الحصين بن نمير السكوني مكة فقاتل المختار في هذا اليوم فكان من أحسن الناس بلاء و أعظمهم غناء فلما قتل المنذر بن الزبير و المسور بن مخرمة نادى المختار يا أهل الإسلام إلي إلي أنا ابن أبي عبيد بن مسعود أنا ابن الكُرار لا الفُرار أنا ابن المُقدمين غير المحجمين إلي يا أهل الحِفاظ و حماة الأوتار فحميِ الناس يومئذ و أبلى و قاتل قتالا حسنا.
قال الراوي سهل بن سعد (تولى قتال أهل الشام يوم تحري الكعبة عبد الله بن مطيع و أنا و المختار فما كان فينا يومئذ رجل أحسن بلاء من المختار).
قال وخرج ابن الزبير فبايعه رجال كثير على الموت قال فخرجت في عصابة معي أقاتل في جانب والمختار في عصابة أخرى يقاتل في جُميعة من أهل اليمامة في جانب و هم خوارج و إنما قاتلوا ليدفعوا عن البيت فهم في جانب و عبد الله بن مطيع في جانب.
ثم أقام المختار مع ابن الزبير حتى هلك يزيد بن معاوية و انقضى الحصار و رجع أهل الشام إلى الشام و اصطلح أهل الكوفة على عامر بن مسعود يصلي بهم فلم يلبث إلا شهرا حتى بعث ببيعته و بيعة أهل الكوفة إلى ابن الزبير و استمرت هذه الإقامة خمسة أشهر بعد مهلك يزيد فلما رآه لا يستعمله جعل لا يقدم عليه أحد من الكوفة إلا سأله عن حال الناس و هيئتهم.
قدم هانئ بن أبي حية من أهل الكوفة إلى مكة يريد عمرة رمضان فسأله المختار عن حاله و حال الناس بالكوفة و هيئتهم فأخبره عنهم بصلاح و اتساق على طاعة ابن الزبير إلا طائفة منهم لو كان لهم رجل يجمعهم على رأي أكل بهم الأرض فقال المختار أنا أبو إسحاق أنا و الله لهم أنا أجمعهم على مر الحق و أنفي بهم ركبان الباطل و أقتل بهم كل جبار عنيد فقال له هانئ بن أبي حية ويحك يا ابن أبي عبيد إن استطعت ألا توضع في الضلال ليكن صاحبهم غيرك فإن صاحب الفتنة أقرب شيئا أجلا و أسوأ الناس عملا فقال له المختار إني لا أدعو إلى الفتنة و إنما أدعو إلى الهدى و الجماعة ثم وثب فخرج و ركب رواحله فأقبل نحو الكوفة حتى إذا كان بالقرعاء لقيه سلمة بن مرثد و كان من أشجع العرب و كان ناسكا فلما التقيا تصافحا و تساءلا فقال له حدثني عن الناس بالكوفة قال هم كغنم ضل راعيها فقال له المختار أنا الذي أحسن رعايتها و أبلغ نهايتها فقال له سلمة اتق الله و اعلم أنك ميت و مبعوث و محاسب و مجازى بعملك إن خيرا فخير و إن شرا فشر ثم افترقا ثم دخل المختار إلى الكوفة فجعل لا يمر بمجلس إلا سلم على أهله وقال أبشروا بالنصر والفلج أتاكم ما تحبون وأقبل حتى مر على عبيدة بن عمرو البدي من كندة فسلم عليه وبشره وقال له القني في الرحل وبلغ أهل مسجدكم هذا عني أنهم قوم أخذ الله ميثاقهم على طاعته يقتلون المحلين ويطلبون بدماء أولاد النبيين و يهديهم للنور المبين ثم مضى إلى باب الفيل فأناخ راحلته ثم دخل المسجد و استشرف له الناس و قالوا هذا المختار قد قدم فصلى مع الناس ثم انصرف.
فلما كان الليل اجتمع القوم فسألهم عن أحوال الناس وعن حال الشيعة فقلنا له إن الشيعة قد اجتمعت لسليمان بن صرد الخزاعي وإنه لن يلبث يسيرا حتى يخرج فقال إن المهدي ابن الوصي محمد بن علي بعثني إليكم أمينا ووزيرا ومنتخبا وأميرا وأمرني بقتال الملحدين والطلب بدماء أهل بيتهم والدفع عن الضعفاء.
فأجابه عبيدة بن عمرو وإسماعيل بن كثير وضربا على يده وبايعاه وأرسل المختار إلى الشيعة وقد اجتمعت عند سليمان بن صرد فيقول إني قد جئتكم من عند ولي الأمر ومعدن الفضل ووصي الوصي والإمام المهدي بأمر فيه الشفاء وكشف الغطاء وقتل الأعداء وتمام النعماء إن سليمان بن صرد يرحمنا الله وإياه إنما هو عشمة من العشم (يابس من الهزال) وحِفش بال ليس بذي تجربة للأمور ولا له علم بالحروب إنما يريد أن يخرجكم فيقتل نفسه ويقتلكم إني إنما أعمل على مثال قد مُثل وأمر قد بُين لي فيه عز وليكم وقتل عدوكم وشفاء صدوركم فاسمعوا مني قولي وأطيعوا أمري ثم أبشروا وتباشروا فإني لكم بكل ما تأملون خير زعيم.
فوالله ما زال بهذا القول و نحوه حتى استمال طائفة من الشيعة وكانوا يختلفون إليه ويعظمونه وينتظرون أمره بينما كانت الغالبية مشدودة إلى سليمان بن صرد وهو يريد الخروج والمختار لا يريد أن يتحرك ولا أن يهيج أمرا حتى ينظر ما يصير إليه أمر سليمان فلما خرج سليمان بن صرد ومضى نحو الجزيرة تحرك قتلة الحسين الكامنين في الكوفة وقالوا لعبد الله بن يزيد عامل ابن الزبير إن المختار أشد عليكم من سليمان بن صرد إن سليمان قد خرج يقاتل عدوكم ويذللهم لكم وإن المختار يريد أن يثب عليكم في بلادكم فسيروا إليه وأوثقوه بالحديد وخلدوه في السجن حتى يستقيم أمر الناس فخرجوا إليه في الناس فما شعر بشيء حتى أحاطوا به و بداره و استخرجوه إلى السجن.
و ما زالت الرواية لابن جرير الطبري عن يحيى بن عيسى قال دخلت علي المختار في السجن نعوده فقال (أما و رب البحار والنخيل والأشجار والمهامه والقفار والملائكة الأبرار والمصطفين الأبرار لأقتلن كل جبار بكل لَدنٍ خَطار و مهند بتار في جموع من الأنصار ليسوا بمِيل أغمار و لا بعزل أشرار حتى إذا أقمت عمود الدين و رأبت شعب صدع المسلمين وشفيت غليل صدور المؤمنين وأدركت بثأر النبيين لم يكبر على زوال الدنيا ولم أحفل بالموت إذ جاءني).
تاريخ الطبري ج5 569-582

وقفة مع المختار و إخباراته الغيبية:
نعتقد أن المختار بن أبي عبيد الثقفي لم يكن يتحرك من تلقاء نفسه و هو القائل (إني إنما أعمل على مثال قد مُثل و أمر قد بُين لي فيه عز وليكم و قتل عدوكم و شفاء صدوركم فاسمعوا مني قولي و أطيعوا أمري) و نحن لا نرى في هذا الأمر و لا في تلك الإخبارات ما يخرج الرجل عن الأمانة و الصدق بل العكس تماما هو الصحيح فقد تضافرت المرويات عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه أخبر بالكثير من المغيبات و أنه كان يقول (سلوني قبل أن تفقدوني فو الله لا تسألوني عن فئة تهدي مائة أو تضل مائة إلا أخبرتكم بقائدها و سائقها و ناعقها) و قد روى شارح نهج البلاغة عن ابن هلال الثقفي في كتاب الغارات أن عليا عليه السلام قد أخبر خاصة أوليائه و المحيطين به بما تصير إليه أمورهم بعد رحيله عن هذه الدنيا فقد قال لعمرو بن الحمق الخزاعي أين نزلت يا عمرو قال في قومي قال لا تنزلن فيهم قال فأنزل في بني كنانة جيراننا قال لا قال فأنزل في ثقيف قال فما تصنع بالمعرة و المجرة قال و ما هما قال عنقان من نار يخرجان من ظهر الكوفة يأتي أحدهما على تميم و بكر بن وائل فقلما يفلت منهما أحد و يأتي العنق الآخر فيأخذ على الجانب الآخر من الكوفة فقل من يصيب منهم إنما يدخل الدار فيحرق البيت و البيتين قال فأين أنزل قال انزل في بني عمرو بن عامر من الأزد فقال قوم حضروا هذا الكلام ما نراه إلا كاهنا يتحدث بحديث الكهنة فقال يا عمرو إنك مقتول بعدي و إن رأسك لمنقول و هو أول رأس نقل في الإسلام فالويل لقاتلك أما إنك لا تنزل في قوم إلا أسلموك برمتك إلا هذا الحي من بني عمرو بن عامر من الأزد فإنهم لن يسلموك و لن يخذلوك قال فو الله ما مضت الأيام حتى تنقل عمرو بن الحمق في خلافة معاوية في بعض أحياء العرب خائفا مذعورا حتى نزل في قومه من بني خزاعة فأسلموه فقتل و حمل رأسه من العراق إلى معاوية بالشام و هو أول رأس حمل في الإسلام من بلد إلى بلد.
و روى ابن هلال أيضا في كتاب الغارات عن حبة العرني قال كان جويرية بن مسهر العبدي صالحا و كان من خاصة أصحاب علي بن أبي طالب عليه السلام و كان الإمام يحبه فناداه يوما و هو يسير قائلا يا جويرية الحق بي لا أبا لك ألا تعلم أني أحبك فركض نحوه فقال له إني محدثك بأمور فاحفظها ثم اشتركا في الحديث سرا فقال له جويرية يا أمير المؤمنين إني رجل نسي فقال إني أعيد عليك الحديث لتحفظه ثم قال له يا جويرية أحبب حبيبنا ما أحبنا فإذا أبغضنا فأبغضه و أبغض بغيضنا ما أبغضنا فإذا أحبنا فأحبه فكان ناس ممن يشكون في أمر علي بن أبي طالب يقولون أتراه جعل جويرية وصيه كما يدعي هو من وصية رسول الله صلى الله عليه و آله قال يقولون ذلك لشدة اختصاصه له حتى دخل على علي عليه السلام و هو مضطجع و عنده قوم من أصحابه فناداه جويرية أيها النائم استيقظ فلتضربن على رأسك ضربة تخضب منها لحيتك قال فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام قال و أحدثك يا جويرية بأمرك أما و الذي نفسي بيده لتتلن إلى العتل الزنيم فليقطعن يدك و رجلك و ليصلبنك تحت جذع كافر قال فو الله ما مضت الأيام على ذلك حتى أخذ زياد جويرية فقطع يده و رجله و صلبه إلى جانب جذع ابن مكعبر و كان جذعا طويلا فصلبه على جذع قصير إلى جانبه.
ثم ننتقل إلى قصة ميثم التمار و هي وثيقة الصلة بقصة المختار بن أبي عبيد الثقفي لأنها تلقي الضوء على المصدر الحقيقي لمعلومات المختار فقد كان الميثم التمار مولى علي بن أبي طالب عبدا لامرأة من بني أسد فاشتراه عي بن أبي طالب عليه السلام و أعتقه و قال له ما اسمك فقال سالم فقال إن رسول الله صلى الله عليه و آله أخبرني أن اسمك الذي سماك به أبوك في العجم ميثم فقال صدق رسول الله و صدق أمير المؤمنين فهو و الله اسمي قال فارجع إلى اسمك و دع سالما فنحن نكنيك به فكني أبا سالم قال و كان أمير المؤمنين قد أطلعه على علم كثير و أسرار خفية من أسرار الوصية فكان ميثم يحدث ببعض ذلك فيشك فيه قوم من أهل الكوفة و ينسبون عليا عليه السلام إلى المخرقة و الإيهام و التدليس حتى قال له يوما بمحضر كثير من أصحابه و فيهم الشاك و المخلص يا ميثم إنك تؤخذ بعدي و تصلب فإذا كان اليوم الثاني ابتدر منخراك و فمك دما حتى يخضب لحيتك فإذا كان اليوم الثالث طعنت بحربة يقضى عليك فانتظر ذلك و الموضع الذي تصلب عليه هو دار عمرو بن حريث إنك لعاشر عشرة أنت أقصرهم خشبة و أقربهم من المطهرة يعني الأرض و لأرينك النخلة التي تصلب على جذعها ثم أراه إياها بعد ذلك بيومين و كان ميثم يأتيها فيصلي عندها و يقول بوركت من نخلة لك خلقت و لي نبت فلم يزل بتعاهدها بعد قتل علي عليه السلام حتى قطعت فكان يرصد جذعها و بتعاهده و يتردد إليه و يبصره و كان يلقى عمرو بن حريث فيقول له إني مجاورك فأحسن جواري فلا يعلم عمرو ما يريد فيقول له أتريد أن تشتري دار ابن مسعود أم دار ابن حكيم؟؟ قال و حج في السنة التي قتل فيها فدخل على أم سلمة رضي الله عنها فقالت له من أنت قال عراقي فاستنسبته فذكر لها أنه مولى علي بن أبي طالب فقالت له أنت هيثم قال بل أنا ميثم فقالت سبحان الله و الله لربما سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يوصي بك عليا في جوف الليل فسألها عن الحسين بن علي فقالت هو في حائط له قال أخبريه أني أحببت السلام عليه و نحن ملتقون عند رب العالمين إن شاء الله و لا أقدر اليوم على لقائه و أريد الرجوع فدعت بطيب فطيبت لحيته فقال لها أما إنها ستخضب بدم فقالت من أنبأك هذا قال أنبأني سيدي فبكت أم سلمة و قالت إنه ليس بسيدك وحدك إنه و هو سيدي و سيد المسلمين ثم ودعته فقدم الكوفة فأخذ و أدخل على عبيد الله بن زياد و قيل له لقد كان هذا من آثر الناس عند أبي تراب فقال ويحكم هذا الأعجمي قالوا نعم فقال له عبيد الله أي ربك قال بالمرصاد قال قد بلغني اختصاص أبي تراب لك قال قد كان بعض ذلك فما تريد قال و إنه ليقال أنه قد أخبرك بما سيلقاك قال نعم قد أخبرني فرد عليه ابن زياد ما الذي أخبرك أني صانع بك قال أخبرني أنك تصلبني عاشر عشرة و أنا أقصرهم خشبة و أقربهم من المطهرة قال لأخالفنه قال ويحك كيف تخالفه؟؟ إنما أخبر عن رسول الله و أخبر رسول الله عن جبريل و أخبر جبريل عن رب العزة فكيف تخالف هؤلاء؟؟ أما و الله لقد عرفت الموضع الذي أصلب فيه أين هو من الكوفة و إني لأول خلق ألجم في الإسلام بلجام كما يلجم الخيل فحبسه و حبس معه المختار بن أبي عبيدة الثقفي فقال ميثم للمختار و هما في حبس ابن زياد إنك تفلت و تخرج ثائرا بدم الحسين عليه السلام فتقتل هذا الجبار الذي نحن في حبسه و تطأ بقدمك هذا على جبهته و خديه فلما دعا عبيد الله بن زياد بالمختار ليقتله طلع البريد بكتاب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بتخلية سبيله (كما أوردنا من قبل) و أما ميثم فأخرج بعده ليصلب و قال عبيد الله لأمضين حكم أبي تراب فيه فلقيه رجل فقال له ما كان أغناك عن هذا يا ميثم فتبسم و قال لها خلقت و لي غذيت فلما رفع على الخشبة اجتمع الناس حوله على باب عمرو بن حريث فقال عمرو لقد كان يقول لي إني مجاورك فكان يأمر جاريته كل عشية أن تكنس تحت خشبته و تجمر بالمجمر تحته فجعل ميثم يحدث الناس بفضائل بني هاشم و مخازي بني أمية و هو مصلوب على الخشبة فقيل لابن زياد قد فضحكم هذا العبد فقال ألجموه فكان أول خلق ألجم في الإسلام فلما كان في اليوم الثاني فاضت منخراه و فمه دما فلما كان في اليوم الثالث طعن بحربة فمات.
ثم نعرج على رشيد الهجري و كان من خواص أصحاب علي عليه السلام فقال له زياد ما قال لك خليلك أنا فاعلون بك؟؟ قال أنكم تقطعون رجلي و تصلبونني فقال أما و الله لأكذبن حديثه خلوا سبيله فلما أراد أن يخرج قال ردوه لا نجد شيئا أصلح مما قال لك صاحبك إنك لا تزال تبغي لنا سوءا إن بقيت اقطعوا يديه و رجليه فقطعوا يديه و رجليه و هو يتكلم  فقال اصلبوه خنقا في عنقه فقال بقي لي عندكم شيء ما أراكم فعلتموه فقال زياد اقطعوا لسانه فلما أخرجوا لسانه ليقطع قال نفسوا عني أتكلم كلمة واحدة فنفسوا عنه فقال هذا و الله تصديق خبر أمير المؤمنين.
تعقيب لا بد منه:
نقلنا في الفقرة السابقة نبذة من الإخبارات المستقبلية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب و كلها تدخل في إطار العلم المنقول عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم الذي أخبر أمته بما هو كائن إلى يوم القيامة ذكر ذلك من ذكر و نسي ذلك من نسي و نحن لا نرى في تلك الأخبار التي وردت من جهات متعددة ما يثير الغرابة إلا أن الرواة و كتاب التواريخ حاولوا قدر استطاعتهم و لا زالوا يحاولون بكل الجد و الاجتهاد تجميل بشاعات بني أمية بأساليب ساذجة مثل غضهم الطرف عن تفاصيل هذه الجرائم و كأن ذكرها إجمالا يخفف بشاعة و هول ما ارتكبوه فابن جرير الطبري يذكر عدد من أبادهم زياد و ابنه (البار) عبيد الله و عددهم بالآلاف و لكنه لا يذكر شيئا من تلك التفاصيل البشعة من صلب و تمثيل بالقتلى ناهيك عن أنه يردد الشائعات الأموية التي تقول أن كل هؤلاء كانوا من الخوارج و هو ما لا نصدقه ناهيك عن أننا لا نجد مبررا لقتل هذا العدد من البشر في سجون أي نظام و لو كانوا من الكفار فما بالك بأنهم مجرد مسلمين متهمين (بالانحراف الفكري الخوارجي) و هي تهمة مضحكة و خاصة عندما تصدر من نظام على شاكلة بني أمية يمثل الانحراف و الفساد الفكري و الأخلاقي بكافة صوره و أشكاله التي عرفتها البشرية أو التي يمكن أن تعرفها و لو بعد عشرة قرون من الآن.

علم غيب أم تعلم من ذي علم؟؟
خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الناس ذات يوم فحدثهم عن بعض ما يكون من حوادث الزمان المقبل فقال (كأني أراهم قوما كأن وجوههم المجان المُطرقة يلبسون الرسج و الديباج و  يعتقبون الخيل العِتاق و يكون هناك استحرار قتل حتى يمشي المجروح على المقتول و يكون المفلت أقل من المأسور) فقال له بعض أصحابه لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب فضحك عليه السلام و قال للرجل و كان كلبيا (يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب و إنما هو تعلم من ذي علم و إنما علم الغيب علم الساعة و ما عدده الله سبحانه بقوله (إن الله عنده علم الساعة….) فيعلم الله سبحانه ما في الأرحام من ذكر أو أنثى أو قبيح أو جميل و سخي أو بخيل و شقي أو سعيد و من يكون في النار حطبا أو في الجنان للنبيين مرافقا فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا الله و ما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه صلى الله عليه و آله فعلمنيه و دعا لي أن يعيه صدري و تضم عليه جوانحي. شرح النهج ج2 ص 361  
الخروج الثاني للمختار من السجن:
روى ابن جرير الطبري (الجزء السادس ص 7) قال لما رجع أصحاب سليمان بن صرد الخزاعي إلى الكوفة كتب إليهم المختار بن أبي عبيد (أما بعد فإن الله أعظم لكم الأجر و حط عنكم الوزر بمفارقة القاسطين و جهاد المُحلين، إنكم لم تنفقوا نفقة و لم تقطعوا عقبة و لم تخطوا خطوة إلا الله من التضعيف فأبشروا فإني لو قد خرجت إليكم قد جردت فيما بين المشرق و المغرب في عدوكم السيف بإذن الله فجعلتهم بإذن الله ركاما و قتلتهم فذا و تؤاما فرحب الله بمن قارب منكم و اهتدى و لا يبعد الله إلا من عصى و أبى و السلام يا أهل الهدى.
فأرسل الكتاب إلى شيعة أهل البيت فبعثوا إليه فقالوا له قد قرأنا الكتاب ونحن حيث يسرك فإن شئت أن نأتيك حتى نخرجك فعلنا فأتاه فدخل عليه السجن فأخبره بما أرسل إليه به فسر باجتماع الشيعة له و قال لهم لا تريدوا هذا فإني أخرج في أيامي هذه.
وكان المختار قد بعث غلاما يدعى زريبا إلى عبد الله بن عمر وكتب إليه: أما بعد فإني حبست مظلوما وظن بي الولاة ظنونا كاذبة فاكتب في يرحمك الله إلى هذين الظالمين عسى الله أن يخلصني من أيديهما بلطفك و بركتك و يمنك و السلام عليك.
فكتب إليهما عبد الله بن عمر: أما بعد فقد علمتما الذي بيني وبين المختار من الصهر والذي بيني وبينكما من الود فأقسمت عليكما بحق ما بيني وبينكما لَما خليتما سبيله حين تنظران في كتابي هذا و السلام عليكما و رحمة الله و بركاته.
فلما أتى الكتاب إلى عبد الله بن يزيد و إبراهيم بن محمد بن طلحة دعوا للمختار بكفلاء يضمنونه بنفسه فأتاه أناس كثير فلما ضمنوه دعا به عبد الله و إبراهيم فحلفاه بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم لا يبغيهما غائلة و لا يخرج عليهما ما كان لهما سلطان فإن هو فعل فعليه ألف بَدنَة ينحرها لدى رتاج الكعبة و مماليكه كلهم ذكرهم و إناثهم أحرار فحلف لهما بذلك ثم خرج فجاء داره فنزلها.
ولما عاد إلى بيته قال (قاتلهم الله ما أحمقهم حين يرون أني أفي لهم بأيمانهم هذه أما حلفي لهم بالله فإنه ينبغي لي إذا حلفت على يمين فرأيت ما هو خير منها أن أدع ما حلفت عليه وآتي الذي هو خبر و أكفر عن يميني و أما هدي ألف بدنة فهو أهون علي من بصقة و ما ثمن ألف بدنة يهولني و أما عتق مماليكي فو الله لوددت أنه قد استتب لي أمري ثم لم أملك مملوكا أبدا).
ولما استقر به المقام عند خروجه من السجن و الرواية ما زالت لابن جرير الطبري (جاءته الشيعة واجتمعت عليه واتفق رأيها على الرضا به وكان الذي يبايع له الناس و هو في السجن خمسة نفر: السائب بن مالك الأشعري ويزيد بن أنس وأحمر بن شميط ورفاعة بن شداد الفتياني وعبد الله بن شداد الجُشمي فلم تزل أصحابه يكثرون وأمره يقوى ويشتد حتى عزل ابن الزبير عبد الله بن يزيد و إبراهيم بن محمد بن طلحة و بعث عبد الله بن مطيع على عملهما بالكوفة).
جاء عبد الله بن مطيع الكوفة في رمضان من العام الخامس و الستين للهجرة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال (أما بعد فإن أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بعثني على مصركم وثغوركم وأمرني بجباية فيئكم و ألا أحمل فضل فيئكم عنكم إلا برضا منكم ووصية عمر بن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته وبسيرة عثمان بن عفان التي سار بها في المسلمين فاتقوا الله ولا تختلفوا وخذوا على أيدي سفهائكم وإلا تفعلوا فلوموا أنفسكم ولا تلوموني فو الله لأوقعن بالسقيم العاصي ولأقيمن درء الأصعر المرتاب فقام إليه السائب بن مالك وهو من أصحاب المختار فقال أما أمر ابن الزبير إياك إلا تحمل فضل فيئنا عنا إلا برضانا فإنا نشهدك أنا لا نرضى أن تحمل فضل فيئنا عنا وألا يقسم إلا فينا و ألا يسار فينا إلا بسيرة علي بن أبي طالب التي سار بها في بلادنا هذه حتى هلك رحمة الله عليه ولا حاجة لنا في سيرة عثمان في فيئنا ولا في أنفسنا فإنها إنما كانت أثرة وهوى ولا في سيرة عمر بن الخطاب في فيئنا وإن كانت أهون السيرتين علينا ضرا وقد كان لا يألو الناس خيرا فقال يزيد بن أنس صدق السائب بن مالك و بر رأينا مثل رأيه و قولنا مثل قوله فقال ابن مطيع نسير فيكم بكل سيرة أحببتموها و هويتموها ثم نزل فقال يزيد بن أنس ذهبت بفضلها يا سائب و لا يعدمك المسلمون أما و الله لقد قمت وإني لأريد أن أقوم فأقول نحوا من مقالتك وما أحب أن الله ولى الرد عليه رجلا من أهل المصر ليس من شيعتنا.
و جاء إياس بن مضارب إلى ابن مطيع فقال له إن السائب بن مالك من رؤوس أصحاب المختار و لست آمن المختار فإذا جاءك فاحبسه في سجنك حتى يستقيم أمر الناس فإن عيوني قد أتتني فأخبرتني أن أمره قد استجمع له وأنه سيثب بالمصر فبعث إليه ابن مطيع زائدة بن قدامة وحسين بن عبد الله البرسمي فقالا له أجب الأمير فدعا بثيابه وتهيأ للخروج فقرأ زائدة بن قدامة قول الله تعالى (و إذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك و يمكرون و يمكر الله و الله خير الماكرين) ففهمها المختار فجلس وادعى المرض وقال لهما ارجعا إلى ابن مطيع فأعلماه حالي الذي أنا عليه فذهبا إلى ابن مطيع فصدق ما جاءا به.
قال و بعث المختار إلى أصحابه فأخذ يجمعهم في الدور من حوله فجاء رجل من أصحابه يقال له عبد الرحمن بن شريح فلقي سعيد بن منقذ الثوري و سعر الحنفي و الأسود بن جراد الكندي و قدامة بن مالك الجشمي فاجتمعوا في منزل سعر الحنفي فحمد الله و أثنى عليه ثم قال (أما بعد فإن المختار يريد أن يخرج بنا و قد بايعناه و لا ندري أرسله إلينا ابن الحنفية أم لا فانهضوا بنا إلى ابن الحنفية فلنخبره بما قدم علينا به و بما دعانا إليه فإن رخص لنا في اتباعه اتبعناه و إن نهانا عنه اجتنبناه فو الله ما ينبغي أن يكون شيء من أمر الدنيا آثر عندنا من سلامة ديننا فقالوا له أصبت ووفقت فخرجوا وذهبوا لملاقاة محمد بن علي بن أبي طالب الملقب بابن الحنفية.
قالوا لمحمد ابن الحنفية إن لنا إليك حاجة فتكلم عبد الرحمن بن شريح فقال إنكم أهل بيت خصكم الله بالفضيلة وشرفكم بالنبوة وعظم حقكم على هذه الأمة فلا يجهل حقكم إلا مغبون الرأي مخسوس النصيب قد أصبتم بحسين رحمة الله عليه عظمت مصيبة اختصصتم بها بعد ما عم بها المسلمون وقد قدم علينا المختار بن أبي عبيد يزعم لنا أنه قد جاءنا من تلقائكم وقد دعانا إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم والطلب بدماء أهل البيت والدفع عن الضعفاء فبايعناه على ذلك ثم رأينا أن نأتيك لنذكر لك ما دعانا إليه وندبنا له فإن أمرتنا باتباعه اتبعناه وإن نهيتنا عنه اجتنبناه ثم تكلم القوم بمثل ما تكلم به ابن شريح وهو يسمع حتى إذا فرغنا حمد الله وأثنى عليه و صلى على النبي صلى الله عليه و آله ثم قال أما بعد أما ما ذكرتم مما خصنا الله به من الفضل فإن الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم فله الحمد و أما ما ذكرتم من مصيبتنا بحسين فإن ذلك كان في الذكر الحكيم وهي ملحمة كتبت عليه وكرامة أهداها الله له رفع بما كان منها درجات قوم عنده ووضع بها آخرين وكان أمر الله مفعولا و كان أمر الله قدرا مقدورا و أما ما ذكرتم من دعاء من دعاكم إلى الطب بدمائنا فوالله لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه أقول قولي هذا و أستغفر الله لي و لكم.
فخرجنا من عنده و نحن نقول قد أذن لنا قد قال (لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه) و لو كره لقال لا تفعلوا فرجع القوم إلى الكوفة فدخلوا على المختار قبل دخولهم إلى بيوتهم و قالوا قد أمرنا بنصرتك فقال الله أكبر أنا أبو إسحاق اجمعوا إلى الشيعة فجُمعوا له فقال يا معشر الشيعة إن نفر منكم أحبوا أن يعلموا مصداق ما جئت به فرحلوا إلى إمام الهدى و النجيب المرتضى ابن خير من طشى (أي برئ) و مشى حاشا النبي المجتبى فسألوه عما قدمت به عليكم من قتال المحلين و الطلب بدماء أهل بيت نبيكم المصطفين فقام عبد الرحمن بن شريح فحمد الله و أثنى عليه ثم قال أما بعد يا معشر الشيعة فإنا كنا قد أحببنا أن نستثبت لأنفسنا خاصة و لجميع إخواننا عامة فقدمنا على المهدي بن علي فسألناه عن حربنا هذه و عما دعانا إليه المختار منها فأمرنا بمظاهرته و مؤازرته و إجابته إلى ما دعانا إليه فأقبلنا طيبة أنفسنا منشرحة صدورنا قد أذهب الله منها الشك و الغل و الريب و استقامت لنا بصيرتنا في قتال عدونا فليبلغ ذلك شاهدكم غائبكم و استعدوا و تأهبوا ثم جلس و قمنا رجلا رجلا فتكلمنا بنحو من كلامه فاستجمعت له الشيعة و حدبت عليه.
فلما هم المختار بالخروج جاءه من يقول له أن أشراف الكوفة مجتمعون على قتالك مع ابن مطيع فإن اجتمع معنا إبراهيم بن الأشتر رجونا بإذن الله القوة على عدونا و ألا يضرنا خلاف من خالفنا  فإنه ابن رجل شريف بعيد الصوت و له عشيرة ذات عز و عدد قال لهم المختار فالقوه و ادعوه و أعلموه الذي كان من اجتماعنا على الطلب بدم الحسين بن علي و أهل بيته فلما جاءه القوم قالوا له (إنما ندعوك إلى أمر قد أجمع عليه رأي الملأ من الشيعة إلى كتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه و آله و الطلب بدماء أهل البيت و قتال المحلين و الدفع عن الضعفاء فقال لهم إبراهيم بن الأشتر فإني قد أجبتكم إلى ما دعوتموني من الطلب بدم الحسين و أهل بيته على أن تولوني هذا الأمر فقالوا أنت لذلك أهل و لكن ليس لذلك من سبيل هذا المختار قد جاءنا من عند المهدي و هو الرسول و المأمور بالقتال و قد أمرنا بطاعته فسكت عنهم ابن الأشتر و لم يجبهم فانصرفنا من عنده إلى المختار فأخبرناه بما رد علينا فلبث المختار ثلاثة أيام ثم دعا عددا من أصحابه و ذهب إلى بيت إبراهيم بن الأشتر فلما جلسوا تحدث المختار فقال أما بعد فإن هذا كتاب لك من المهدي محمد بن أمير المؤمنين و هو خير أهل الأرض كلها قبل اليوم بعد أنبياء الله و رسله و هو يسألك أن تنصرنا و تؤازرنا فإن فعلت اغتبطت و إن لم تفعل فهذا الكتاب حجة عليك و سيغني الله المهدي محمدا و أولياءه عنك ثم دفع إليه الكتاب فقرأه فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد المهدي إلى إبراهيم بن مالك الأشتر سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإني قد بعثت إليكم بوزيري و أميني و نجيي الذي ارتضيته لنفسي و قد أمرته بقتال عدوي و الطلب بدماء أهل بيتي فانهض معه بنفسك و عشيرتك و من أطاعك فإنك إن نصرتني و أجبت دعوتي و ساعدت وزيري كانت لك عندي بذلك فضيلة و لك بذلك أعنة الخيل و كل جيش غاز و كل مصر و منبر ظهرت عليه فيما بين الكوفة و أقصى بلاد أهل الشام على الوفاء بذلك على عهد الله و إن أبيت هلكت هلاكا لا تستقيله أبدا و السلام عليك.
فلما قضى إبراهيم قراءة الكتاب قال قد كتب إلى ابن الحنفية و قد كتبت إليه قبل اليوم فما كان يكتب لي إلا باسمه و اسم أبيه قال له المختار إن ذلك زمان و هذا زمان قال لإبراهيم فمن يعلم أن هذا كتاب محمد بن الحنفية إلى فقال له يزيد بن أنس و أحمر بن شميط و عبد الله بن كامل و جماعتهم نشهد أن هذا كتاب محمد بن علي إليك فتأخر إبراهيم عن صدر المجلس فأجلس المختار عليه فقال ابسط يدك أبايعك فبسط المختار يده فبايعه إبراهيم.
أحس ابن مطيع بقرب خروج المختار عليه فبعث إلى أحياء الكوفة مجموعة من الحرس و الشرط لبث الخوف و الرعب في قلوب الثوار و أوصى كل رجل أن يكفيه قومه فكان هذا ليلة الثلاثاء قبل الموعد المحدد لانطلاق التحرك و هو يوم الخميس فخرج إبراهيم بن الأشتر من بيته بعد المغرب يريد المختار كما هو معتاد في كل ليلة و معه كتيبة نحو من مائة متقلدي السيوف فالتقى إبراهيم بن الأشتر بإياس بن مضارب في الشرط مظهرين السلاح فقال من أنتم فقال له إبراهيم أنا إبراهيم بن الأشتر فقال له ابن مضارب ما هذا الجمع معك و ما تريد إن أمرك لمريب و قد بلغني أنك تمر كل عشية ها هنا و ما أنا بتاركك حتى آتي بك الأمير فيرى فيك رأيه فقال إبراهيم لا أبا لغيرك خل سبيلنا فقال كلا و الله لا أفعل و مع إياس بن مضارب رجل من همدان يقال له أبو قطن كان مع إياس بن مضارب و كان صديقا لابن الأشتر فقال له يا أبا قطن ادن مني و كان معه رمح طويل فدنا منه و هو يرى أن ابن الأشتر سيطلب شفاعته لدى إياس بن مضارب فقال إبراهيم و تناول الرمح من يده إن رمحك هذا لطويل فحمل به على إياس بن مضارب فطعنه في نحره فصرعه و قال لرجل انزل فاحتز رأسه فنزل فاحتز رأسه و رجع أصحابه إلى ابن مطيع أما إبراهيم الأشتر فقد ذهب إلى المختار و أخبره بما جرى و ضرورة التعجيل بالخروج فقال المختار بشرك الله بخير و هذا أول الفتح إن شاء الله تعالى فقال المختار قم يا سعيد بن منقذ فأشعل في الهرادي النار ثم ارفعها للمسلمين و قم أنت يا عبد الله بن شداد فناد يا منصور أمت و قم أنت يا سفيان بن ليل فناد يالثارات الحسين ثم لبس درعه و سلاحه و يقول
قد علمت بيضاء حسناء الطلل  واضحة الخدين عجزاء الكفل
أني غداة الروع مقدام بطل
حاول الموالون لابن مطيع قمع حركة المختار إلا أنهم فشلوا في تحقيق ذلك الهدف و لم تمضي بضعة أيام حتى وجد ابن مطيع نفسه محاصرا في قصر الإمارة عاجزا عن الدفاع عن نفسه فأشار عليه أصحابه إما أن يطلب لنفسه الأمان من المختار أو أن يتسلل من القصر ليلا ثم يأوي إلى أحد البيوت في الكوفة ريثما تتاح له فرصة الخروج منها فاختار التسلل و فتح أصحابه أبواب القصر أمام إبراهيم بن الأشتر سائلين آمنون نحن قال أنتم آمنون فخرجوا و بايعوا المختار.
ثم إن المختار جاء حتى دخل القصر فبات به و أصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر وخرج المختار فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال الحمد لله الذي وعد وليه النصر و عدوه الخسر وعدا مفعولا وقضاء مقضيا وقد خاب من افترى أيها الناس إنه قد رفعت لنا راية ومدت لنا غاية فقيل لنا في الراية أن ارفعوها ولا تضعوها وفي الغاية أن اجروا إليها ولا تعدوها فسمعنا دعوة الداعي و مقالة الواعي فكم من ناع و ناعية لقتلى في الواعية (!!؟؟) و بعدا لمن طغى وأدبر وعصى وكذب وتولى ألا فادخلوا أيها الناس فبايعوا بيعة هدى فو الذي جعل السماء سقفا مكفوفا و الأرض فجاجا سبلا ما بايعتم بعد بيعة علي بن أبي طالب بيعة أهدى منها.
ثم نزل ودخل ودخلنا عليه فقال تبايعوني على كتاب الله وسنة نبيه والطلب بدماء أهل البيت وجهاد المحلين والدفع عن الضعفاء وقتال من قاتلنا وسلم من سالمنا والوفاء ببيعتنا لا نقيلكم ولا نستقيلكم فإذا قال الرجل نعم بايعه.
و جاءه ابن كامل فقال للمختار أعلمت أن ابن مطيع في دار أبي موسى؟ فلم يجبه بشيء فأعادها عليه ثلاث مرات فلم يجبه فظن ابن كامل أن ذلك لا يوافقه فلما أمسى بعث إلى ابن مطيع بمائة ألف درهم فقال له تجهز بهذه و اخرج فإني شعرت بمكانك و قد ظننت أنه لم يمنعك من الخروج إلا أنه ليس في يديك ما يقويك على الخروج.
و أصاب المختار في بيت المال تسعة ملايين درهم فوزعها في الناس و استقبلهم بخير و مناهم بالعدل و حسن السيرة ساعيا إلى تحقيق الاستقرار وصولا إلى تحقيق غايته الأصلية التي خرج من أجلها.
كانت خطبته التي ألقاها بعد استتاب الأمر له كاشفة عن سياساته و نواياه المستقبلية بل و علمه بما سيؤول إليه أمره في نهاية المطاف (قد رفعت لنا راية و مدت لما غاية فقيل لنا في الراية أن ارفعوها و لا تضعوها و في الغاية أن اجروا إليها و لا تعدوها فسمعنا دعوة الداعي و مقالة الواعي فكم من ناع و ناعية لقتْلَىَ في الواعية (!!؟؟) و بعدا لمن طغى و أدبر و عصى و كذب و تولى) و هكذا فقد كشفت تصرفاته في الفترة التالية عن تصميم متقن و عزم محكم على تحقيق تلك الغاية عالما أنه لن يعدوها ألا و هي القصاص من قتلة آل محمد (و لكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تفلحون).
أيضا فإن هذه الرواية التي سنوردها بعد لحظات كم الانقسام الذي عانى منه المجتمع المسلم إلى عرب و عجم و أشراف و موالي حيث يروي ابن جرير الطبري أن المختار بن أبي عبيد و أثناء فترة التهدئة (أدنى الأشراف و كانوا جلساءه و حداثه و على حرسه كيسان أبا عمرة "مولى عُرينة" فقام ذات يوم على رأسه فرأى الأشراف يحدثونه و رآه قد أقبل بوجهه و حديثه عليهم فقال لأبي عمرة بعض أصحابه من الموالي أما ترى أبا إسحاق قد أقبل على العرب ما ينظر إلينا فدعاه المختار فقال له ما يقول لك أولئك الذي رأيتهم يكلمونك فأسر إليه بما كان منهم و قال له شق عليهم أصلحك الله صرفك وجهك عنهم إلى العرب فقال له قل لهم لا يشقن ذلك عليكم فأنتم مني و أنا منكم ثم سكت طويلا ثم قرأ (إنا من المجرمين منتقمون) فما هو إلا أن سمعها الموالي منه فقال بعضهم لبعض أبشروا كأنكم به و الله قد قتلهم). تاريخ الطبري ج6 ص 33.
الانتقام:
مرت هذه الفترة من دون أن يبدأ المختار أحدا من قتلة الحسين بن علي عليه السلام بقتال و يبدو أنه كان عالما بأنهم هم الذين سيبادرون إلى إعطائه الفرصة و المبرر لينفذ فيهم حكم الله بإعلانهم هم التمرد و رفعهم السيف في وجهه ليعطوه بذلك حجة إضافية حاضرة تضاف إلى لائحة الجرائم التي ارتكبوها في حق الدين و الإنسانية و يبدو أنهم أحسوا أن الفرصة قد واتتهم عندما اقتربت طلائع الجيش الأموي من الموصل و اشتبكت مع جيش المختار و بالرغم من الفارق العددي الذي كان لصالح الجيش الأموي فقد استطاع جيش المختار أن يلحق به الهزيمة إلا أن وفاة قائد جيش المختار يزيد بن أنس نتيجة مرضه أعطت انطباعا للقتلة المتربصين في الكوفة بهزيمة جيش المختار و بداية تقهقره فتشجعوا على إعلان التمرد……..
قال ابن جرير الطبري (لما مات يزيد بن أنس التقى أشراف الناس بالكوفة فأرجفوا بالمختار و قالوا قتل يزيد بن أنس و لم يصدقوا أنه قد مات و أخذوا يقولون و الله لقد تأمر علينا هذا الرجل بغير رضا منا و لقد "أدنى موالينا" أي قربهم "؟!" فحملهم على الدواب "!!" و أعطاهم و أطعمهم فيئنا و لقد عصتنا عبيدنا فحرب بذلك أيتامنا و أراملنا فاتعدوا منزل شبث بن ربعي و اجتمعوا فيه و تذاكروا هذا النحو و لم يكن فيما أحدث المختار عليهم شيئا هو أعظم من أن جعل للموالي نصيبا من الفيء (تخيل مدى بشاعة و جاهلية من يزعمون أنهم خير القرون) فقال لهم شَبَث دعوني حتى ألقاه فذهب فلقيه فلم يدع شيئا مما أنكره أصحابه إلا و ذكره و المختار يقول أرضيهم في هذه الخصلة و آتي كل شيء أحبوا قال فذكر المماليك فقال أنا أرد عليهم عبيدهم فذكر الموالي فقال عمدت إلى موالينا و هم فيء أفاءه الله علينا و هذه البلاد جميعا فأعتقنا رقابهم نأمل الأجر في ذلك و الثواب و الشكر فلم ترض لهم بذلك حتى جعلتهم شركاءنا في فيئنا فقال لهم المختار إن أنا تركت لكم مواليكم و جعلت فيئكم فيكم أتقاتلون معي بني أمية و ابن الزبير و تعطون على الوفاء بذلك عهد الله و ميثاقه فقال شبث ما أدري أخرج إلى أصحابي فأذاكرهم ذلك فخرج و لم يرجع.
ثم إن القوم قالوا انتظروا حتى يبلغ إبراهيم بن الأشتر إلى "ساباط" و وثبوا بالكوفة فبعث المختار رسولا من يومه أمره بالركض إلى إبراهيم بن الأشتر و هو بساباط ألا تضع كتابي هذا حتى تقبل بجميع من معك إلي و أخذ المختار إليهم يماطلهم ريثما يأتيه إبن الأشتر قائلا لهم أخبروني ما تريدون فإني صانع لكم كل ما أحببتم فقالوا نريد أن تعتزلنا فإنك زعمت أن ابن الحنفية بعثك و لم يبعثك فأرسل إليهم المختار أن ابعثوا من قبلكم وفدا ثم انظروا حتى تتبينوه و هو يريد أن يريثهم بهذه المقالة ريثما يأتيه ابن الأشتر الذي بلغته الرسالة فعاد إلى الكوفة قبل أن يبدأ القتال.
ثم إن المختار كره أن يبعث ابن الأشتر إلى قومه من أهل اليمن فبعثه إلى مضر بالكناسة وعليهم شبث بن ربعي ومحمد بن عمير بن عطارد وسار هو إلى أهل اليمن والتهب القتال ولم تنجل المعركة إلا عن هزيمة مروعة لحقت بجيش التمرد المضاد للمختار وأسر في ذلك اليوم من دار الوادعيين خمسمائة أسير فأتي بهم المختار مكتفين فأخذ رجل من بني نهد وهو من رؤساء أصحاب المختار لا يخلو بعربي إلا خلى سبيله فرفع ذلك إلى المختار فقال له اعرضوهم علي وانظروا كل من شهد قتل الحسين فأعلموني به فأخذوا لا يمر عليه برجل قد شهد قتل الحسين إلا قيل له هذا ممن شهد قتله فيقدمه فيضرب عنقه حتى قتل منهم مائتين وثمانية وأربعين ثم دعا من تبقى من الأسرى فأطلقهم وأمر المختار مناديه أن ينادي من أغلق بابه فهو آمن إلا رجلا شرك في دم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.  
مقتل شمر بن ذي الجوشن:
إنه قائد الكتيبة التي قتلت أبا عبد الله الحسين عليه السلام …. قال الراوي (لما خرج شمر بن ذي الجوشن وأنا معه حين هَزَمَنا المختار ووجه غلامه زريبا "غلام المختار" في طلب شمر وكان من قتل شمر إياه ما كان مضى شمر حتى نزل [ساتيدما] ثم مضى حتى ينزل إلى جانب قرية يقال لها الكلتانية على شاطئ نهر ثم أرسل إلى تلك القرية فأخذ منها علجا [أي عبد أعجمي] فضربه ثم قال النجاء بكتابي هذا إلى المصعب بن الزبير وكتب عنوانه إلى المصعب بن الزبير من شمر بن ذي الجوشن قال فمضى العلج حتى يدخل قرية فيها بيوت و فيها أبو عمرة [من رجالات المختار] فلقي ذلك العلج علجا من تلك القرية فأخذ يشكو إليه ما لقي من شمر فأقبل رجل من أصحاب أبي عمرة فرأى الكتاب وعنوانه من الشمر لمصعب فسألوا عن مكان الشمر فأخبرهم فأقبلوا يسيرون إليه قال الراوي فأنا و الله مع الشمر فقلنا لو أنك ارتحلت بنا من هذا المكان فإنا نتخوف به فقال أكل هذا فرقا من الكذاب!! و الله لا أتحول منها ثلاثة أيام ملأ الله قلوبكم رعبا فو الله إني لبين اليقظة والمنام إذ سمعت وقع حوافر خيل وذهبت لأقوم فإذا بهم قد أشرفوا علينا من التل فكبروا ثم أحاطوا بنا فقام ليطاعنهم بالرمح فما لم يلبث إلآ ساعة حتى سمعت الله أكبر قتل الله الخبيث.
قال ابن جرير الطبري (وخرج أشراف الناس فلحقوا بالبصرة وتجرد المختار لقتلة الحسين فقال ما من ديننا ترك أقوام قتلوا الحسين يمشون في الدنيا آمنين بئس ناصر آل محمد أنا إذا في الدنيا أنا إذا الكذاب كما سموني فإني بالله أستعين عليهم الحمد لله الذي جعلني سيفا ضربهم به ورمحا طعنهم وطالب وترهم والقائم بحقهم إنه كان حقا على الله أن يقتل من قتلهم و أن يذل من جهل حقهم فسموهم لي ثم اتبعوهم حتى تفنوهم ثم قال اطلبوا لي قتلة الحسين فإنه لا يسوغ لي الطعام أو الشراب حتى أطهر الأرض منهم و أنفي المصر منهم.

 


الجريمة و العقاب
و دارت عجلة الانتقام الإلهي:
كان لا بد أن يقوم المختار بن أبي عبيد بما قام به فقد محا رحمه الله و أجزل له العطاء بهذه  الانتفاضة العار عن أمة لا إله إلا الله إلى قيام الساعة و أعجب من أناس يدعون الولاء لآل محمد يقفون من هذا الرجل موقفا سلبيا لأسباب يسمونها عقائدية أو تمشيا مع الدور القذر و حملة التضليل التي قام به الإعلام الأموي من أجل تشويه صورة ذلك الثائر العظيم الطالب بثأر محمد و آل محمد و لسنا ممن يستخفون بقيمة الاعتبارات العقائدية و لكننا لا يمكن أن نتقبل أغلب ما يقال على هذا الرجل صاحب المآثر حتى في إنقاذ من أراد ابن الزبير إحراقهم بالنار.
إنه منطق مشابه لمن يقفون موقفا عدائيا من حزب الله المجاهد لتحرير الأراضي الإسلامية المحتلة و المتهم (بأنه منحرف من الناحية العقائدية) أما هم فهم الفرقة الناجية و أصحاب العقيدة الصحيحة !! مهما تحالفوا مع أمريكا و إسرائيل ناهيك عن أنهم لا يخجلون مما قام به (شمرهم و يزيدهم و عبيد الله بن زيادهم) بل و لا يشغلهم معرفة هؤلاء و لا ما قاموا به من جرائم ضد الدين و الإنسانية و هم المتحالفون مع بني أمية الراضون عن جرائمهم المسوغون لها الرافعون لشعار (سلطان بني أمية الغشوم خير من فتنة نصرة الحسين التي كان يمكن لها أن تدوم) لولا (أن ألهم الله يزيدهم لارتكاب ما ارتكب من جرائم) و لا زالت الأمة تئن و تعوي مما لحق بها من الجراح) و اللي اختشوا ماتوا!!.
و لو أنك سألتهم لماذا تقفون موقف (محايدا) من الظلم و القتل و الإجرام الذي ارتكب بحق أهل البيت قالوا لك (أن إثارة مثل هذه القضايا لن يعود علينا بأي فائدة بل و سيلحق الضرر بوحدة الأمة الخ الخ!!!) و هم أساتذة الخدع اللفظية و الحيل الكلامية التي تأخذ بتلابيب الباحثين عن الحقيقة و تسكتهم فلماذا أصر اليهود على أن يبرءوا أنفسهم من جريمة صلب المسيح تلك الجريمة المفترضة التي هموا بها لولا أن أنقذه الله من بين أيديهم أليست هذه الأخرى هي جريمة تاريخية و لا شك أن نجاح اليهود في تبرئة أنفسهم من هذه الفضيحة التي فعلوها صبت في النهاية في غير صالح المسلمين و جاءت لمصلحة هؤلاء المجرمين و من على شاكلتهم و ورثة نهجهم مفسحة لهم المجال لارتكاب المزيد من الجرائم في حق الإنسانية جمعاء و لا نشك أن من بين هؤلاء اليهود القدامى و المحدثين من لم يكن له أدنى مشاركة في ارتكاب هذا النوع من الجرائم و لكن الرضا عن هذا النوع من الجرائم يجعل من الجميع مشاركين فيه بمن فيهم الذين ساهموا بالفعل أو بالقول أو بالرضا و هو ما ينطبق على جريمة اغتيال الحسين بن علي عليه السلام تلك الجريمة الأكثر تأثيرا في حياتنا اليومية و في مصير المسلمين إلى يوم الدين.
مقتل عبد الله بن أسيد الجهني و مالك بن النسير البدي و حمل بن مالك المحاربي:
بعث إليهم المختار أبا نمران مالك بن عمرو النهدي فأتاهم و هم بالقادسية فأخذهم  فأقبل بهم و أدخلهم عليه في المساء فقال لهم المختار يا أعداء الله و أعداء كتابه و أعداء رسوله و أهل بيته أين الحسين بن علي؟؟ أدوا إلي الحسينَ قتلتم من أمرتم بالصلاة عليه في الصلاة فقالوا رحمك الله!! بعثنا و نحن كارهون فامنن علينا و استبقنا فقال لهم المختار فهلا مننتم على الحسين ابن بنت نبيكم و استبقيتموه و سقيتموه ثم قال المختار للبدي أنت صاحب برنسه؟؟ فقال له عبد الله بن كامل نعم هو هو فقال المختار اقطعوا يدي هذا و رجليه و دعوه فليضرب حتى يموت ففعل ذلك و ترك فلم يزل ينزف دما حتى مات و أمر بالآخرين فقتلا.
ثم إن المختار قام بتعقب قتلة الحسين بن علي واحدا واحدا فأخذ رجلا منهم يقال له عمران بن خالد و آخر يدعى عبد الرحمن البجلي و آخر يدعى زياد بن مالك و عبد الله بن قيس الخولاني فأدخلوا عليه فقال لهم يا قتلة الصالحين و قتلة سيد شباب أهل الجنة ألا ترون الله قد أقاد منكم اليوم لقد جاءكم الورس بيوم نحس و كانوا قد أصابوا من الورس الذي كان مع الحسين فأمر بإخراجهم إلى السوق فضربت أعناقهم.
ثم أرسل في طلب عثمان بن خالد بن أسير الدهماني و أبي أسماء بشر بن سوط القابضي و كانا ممن شهدا قال الحسين و كانا قد اشتركا في دم عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب و في سلبه فقبض عليهما عبد الله بن كامل ثم ضرب عنقيهما و لما بلغ الخبر المختار أمره أن يرجع إليهما فيحرقهما بالنار و قال لا يدفنان حتى يحرقا بالنار.
ثم بعث في طلب خولي بن يزيد الأصبحي صاحب رأس الحسين الذي جاء به فساروا إليه حتى أحاطوا بداره فاختبأ في المخرج فطلبوه فخرجت امرأته إليهم فقالوا لها أين زوجك فقالت لا أدري أين هو و أشارت إلى المخرج فدخلوا فوجوده قد وضع على رأسه قوصرة فأخرجوه و قتلوه و احرقوه حتى أصبح رمادا و كانت امرأته قد نصبت له العداء حين جاءها برأس الحسين.
مقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص:
إنه ذلك (المغوار) قائد الجيش المحاصر و المقاتل لأبي عبد الله الحسين الذي فعل ما فعل حرصا على أن يوليه ابن زياد ملك الري و جرجان…….. إنها نوعية منحطة من البشر لا تتورع عن ارتكاب أي جريمة من أجل تحقيق ذلك النوع من المصالح الوهمية ……….. إنه أحد القرشيين الذين يمتون بصلة القرابة لآل بيت العصمة و النبوة…. فلا هم حافظوا على صلة القربى و لا هم التزموا بقيم هذا الدين العظيم فصدق فيهم قوله تعالى (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض و تقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم و أعمى أبصارهم) سورة محمد و هو صاحب الحوار الشهير مع أبي الأحرار الذي أخبره بمصيره الأسود قائلا (تزعم أنك تقتلني و يوليك الدعي ابن الدعي ملك الري و بلاد جرجان؟؟ و كأني برأسك غدا على خشبة يتقاذفها الصبية في أزقة الكوفة) و هكذا فقد جاءه يومه الأسود الموعود (أفرأيت إن متعناهم سنين؟؟ ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون) سورة الشعراء.
ذات يوم قال المختار لأقتلن غدا رجلا عظيم القدمين غائر العينين مشرف الحاجبين يسر مقتله المؤمنين و الملائكة المقربين فسمعها الهيثم بن الأسود النخعي فوقع في نفسه أنه يريد عمر بن سعد فأرسل إليه ابنه يحذره فقال له جزى الله أباك و الإخاء خيرا كيف يريد هذا بي بعد الذي أعطاني من العهود و المواثيق و كان عبد الله بن جعدة بن هبيرة قد أخذ له أمانا من المختار هذا نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا أمان من المختار بن أبي عبيد لعمر بن سعد بن أبي وقاص إنك آمن بأمان الله على نفسك و مالك و أهلك و أهل بيتك و ولدك لا تؤاخذ بحدث كان منك قديما ما سمعت و أطعت و لزمت رحلك و أهلك و مصرك فمن لقي عمر بن سعد من شرطة الله و شيعة آل محمد و من غيرهم من الناس فلا يعرض له إلا بخير شهد بذلك السائب بن مالك و أحمر بن شميط و عبد الله بن شداد و عبد الله بن كامل و جعل المختار على نفسه عهد الله و ميثاقه ليفين لعمر بن سعد بما أعطاه من الأمان إلا أن يحدث حدثا و أشهد الله على نفسه و كفى بالله شهيدا.
فلما جاءه (الأمان) خرج من ليلته حتى أتى حمامه ثم قال في نفسه أنزل في داري فرجع فعبر الروحاء ثم أتى داره غدوة و قد أتى حمامه فأخبر مولى له بما كان من أمانه و بما أريد به فقال له مولاه و أي حدث أعظم مما صنعت إنك تركت رحلك و أهلك و أقبلت إلى ها هنا ارجع إلى رحلك لا تجعلن للرجل عليك سبيلا فرجع إلى منزله و أتى المختار الخبر بانطلاقه فقال كلا إن في عنقه سلسلة سترده لو جهد أن ينطلق ما استطاع قال و أصبح المختار فبعث إليه أبا عمرة فجاءه فدخل عليه فقال أجب الأمير فقام عمر فعثر في جبة له فضربه أبو عمرة بسيفه فقتله و جاء برأسه حتى وضعه بين يدي المختار و ابنه حفص جالس عنده فقال له هل تعرف هذه الرأس فاسترجع و قال نعم و لا خير في العيش بعده فقال له المختار صدقت فإنك لا تعيش بعده فأمر به فقتل و إذا رأسه مع رأس أبيه ثم إن المختار قال هذا بحسين و هذا بعلي بن الحسين و لا سواء و الله لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامله.
فلما قتل المختار عمر بن سعد و ابنه بعث برأسيهما مع مسافر بن سعيد بن عمران فقدم بها على محمد بن الحنفية و معه رسالة من المختار:
بسم الله الرحمن الرحيم: للمهدي محمد بن علي من المختار بن أبي عبيد سلام الله عليك أيها المهدي فإني أحمد إليك الله الذي لا غله إلا هو أما بعد فإن الله بعثني نقمة على أعدائكم فهم ما بين قتيل و أسير و طريد و شريد فالحمد لله الذي قتل قاتليكم و نصر مؤازريكم و قد بعثت إليك برأس عمر بن سعد و ابنه و قد قتلنا من شرك في دم الحسين و أهل بيته رحمة الله عليهم كل من قدرنا عليه و لن يعجز الله من بقي و لست بمتنح عنهم حتى لا يبلغني أن على أديم الأرض منهم إرميا فاكتب إلي أيها المهدي برأيك أتبعه و أكون عليه و السلام عليك أيها المهدي و رحمة الله و بركاته.
ثم إن المختار بعث عبد الله بن كامل إلى حكيم بن طفيل الطائي و كان قد أصاب العباس بن علي و رمى حسينا بسهم فكان يقول تعلق سهمي بسرباله فلم يضره (!!) فأتاه عبد الله بن كامل فأخذه ثم أقبل به و ذهب أهل فاستغاثوا بعدي بن حاتم فلحقهم في الطريق فكلم عبد الله بن كامل فيه فقال ما إلي من أمره شيء إنما ذلك إلى الأمير المختار قال فإني آتيه فمضى عدي إلى المختار فقالت الشيعة لعبد الله بن كامل إنا نخاف أن يشفع الأمير عدى بن حاتم في هذا الخبيث و له من الذنب ما قد علمت فدعنا نقتله قال شأنكم به فنصبوه غرضا ثم قالوا له سلبت ابن علي ثيابه و الله لنسلبن ثيابك و أنت حي تنظر فنزعوا ثيابه ثم قالوا له رميت حسينا و اتخذته غرضا لنبلك و قلت تعلق سهمي بسرباله و لم يضره و أيم الله لنرمينك كما رميته بنبال ما تعلق بك منها أجزاك فرموه رشقا واحدا فوقعت به منهم نبال كثيرة فخر ميتا كأنه قنفذ لما فيه من كثرة النبال.
ثم بعث المختار إلى قاتل علي بن الحسين مرة بن منقذ العبدي فأتاه ابن كامل فأحاط بداره فخرج إليهم على جواده و أفلت منهم متوجها نحو مصعب بن الزبير بالبصرة.
مقتل المجرم زيد بن رقاد
قام ذلك المجرم بقتل عبد الله بن مسلم بن عقيل و كان يقول لعنة الله عليه لقد رميت فتى منهم بسهم و إنه لواضع كفه على جبهته يتقي النبل فأثبت كفه في جبهته (أي أن السهم ألصق الكف بالجبهة) فكان عبد الله بن مسلم يقول اللهم إنهم استقلونا و استذلونا اللهم فاقتلهم كما قتلونا و أذلهم كما استذلونا فما كان من ذلك اللعين إلا أن رماه بسهم آخر فقتله فكان يقول جئته ميتا فنزعت سهمي الذي قتلته به من جوفه فلم أزل أحرك السهم من جبهته حتى نزعته و بقي النصل في جبهته ما قدرت على نزعه فأقبل ابن كامل فأحاط بداره و اقتحم الرجال ليه فقال لهم لا تضربوه بسيف و لا تطعنوه برمح و لكن ارموه بالنبل و ارجموه بالحجارة ففعلوا ذلك به فسقط فأخرجوه و به رمق فدعا بنار فحرقه بها و هو حي لم تخرج روحه.
مقتل المجرم عبد الله بن عروة الخثعمي
كان ذلك المجرم يفاخر أنه رمى الحسين و أهل بيته باثني عشر سهما فقبض عليه و جيء به مقيدا إلى المختار فقال علي بالرماح فأتي بها فقال اطعنوه حتى يموت فطعن بالرماح حتى مات.
مصرع عبيد الله بن زياد:
لم يستغرق الانتقام من قتلة الحسين بن علي عليه السلام المقيمين في الكوفة أكثر من يومين بعث بعدها المختار جيشا بقيادة إبراهيم بن الأشتر لملاقاة جيش بني أمية الزاحف على العراق بقيادة عبيد الله بن زياد العائد إلى حتفه.
تحرك المختار صحبة جيشه فلما أراد أن ينصرف عائدا قال لابن الأشتر (خذ عني ثلاثا خف الله في سر أمرك و علانيته و عجل السير و إذا لقيت عدوك فناجزهم ساعة تلقاهم و إن لقيتهم ليلا فاستطعت ألا تصبح حتى تناجزهم و إن لقيتهم نهارا فلا تنتظر بهم الليل حتى تحاكمهم إلى الله ثم قال هل حفظت ما أوصيتك به قال نعم قال صحبك الله ثم انصرف.
التقى الجيشان (بخازر على بعد خمسة فراسخ من الموصل) فلما طلع الصباح صلى بهم الأشتر الفجر مبكرا ثم صف أصحابه في مقابل جيش ابن مرجانة الذي كان ما زال نائما فخرج منهم رجل يسب و يشتم (و هذا هو دأب كل أعداء الشيعة إلى يومنا هذا) فقال الرجل (يا شيعة أبي تراب يا شيعة المختار الكذاب فقال له قائد الكتيبة التابعة للمختار ما بيننا أجل من الشتم فقال له ذلك الأموي يا عدو الله إلام تدعوننا أنتم تقاتلون مع غير إمام فقلت له بل يا لثارات الحسين ابن رسول الله ادفعوا إلينا عبيد الله بن زياد فإنه قتل ابن بنت رسول الله سيد شباب أهل الجنة حتى نقتله ببعض موالينا الذين قتلهم مع الحسين فإنا لا نراه للحسين ندا فنرضى أن يكون منه قودا و إذا دفعتموه إلينا فقتلناه ببعض موالينا الذين قتلهم جعلنا بيننا و بينكم كتاب الله أو أي صالح من المسلمين شئتم حكما فقال لي لقد جربناكم مرة أخرى في مثل هذا (يقصد ما حدث في التحكيم) و لم ترضوا  بحكمهما فقلت له ما جئت بحجة إنما كان صلحنا على أنهما إذا اجتمعا على رجل تبعنا حكمهما و رضينا به و بايعناه فلم يجتمعا على واحد و تفرقا فكلاهما لم يوفقه الله لخير و لم يسدده.
لم يرق الكلام لهذا الأموي فزجر بغلته و انصرف.
ثم وقف الأشتر خطيبا في جيشه فقال (يا أنصار الدين و شيعة الحق و شرطة الله هذا عبيد الله بن مرجانة قاتل الحسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول الله حال بينه و بين بناته و نسائه و شيعته و بين ماء الفرات أن يشربوا منه و هم ينظرون إليه و منعه أن يأتي ابن عمه فيصالحه و منعه أن ينصرف إلى رحله و أهله و منعه الذهاب في الأرض العريضة حتى قتله و قتل أهل بيته فو الله ما عمل  فرعون بنجباء بني إسرائيل ما عمل ابن مرجانة بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا قد جاءكم الله به و جاءه بكم فو الله إني لأرجو ألا يمون الله جمع بينكم في هذا الموطن و بينه إلا ليشفي صدوركم بسفك دمه على أيديكم فقد علم الله أنكم خرجتم غضبا لأهل بيت نبيكم) ثم سار الأشتر فيما بين الميمنة و الميسرة و سار في الناس كلهم فرغبهم في الجهاد و حرضهم على القتال ثم ما لبث القتال أن اندلع و انجلت الغبرة عن هزيمة مروعة للجيش الأموي و التمس اللعين ابن زياد فوجد قتيلا قد شطرت جثته إلى نصفين قد ذهبت رجلاه في المشرق و يداه في المغرب و قتل في هذا اليوم أكابر مجرمي بني أمية ممن حاربوا أهل البيت و قتلوا شيعتهم تحت كل حجر و مدر و من بينهم الحصين بن نمير السكوني و تبعهم أصحاب إبراهيم بن الأشتر فكان من غرق منهم في نهر الفرات أكثر ممن قتل و أصابوا من عسكرهم كل شيء و في هذه الأثناء قال المختار لأصحابه يأتيكم الفتح أحد اليومين إن شاء الله من قبل إبراهيم بن الأشتر فقد هزموا أصحاب عبيد الله بن مرجانة فخرج المختار بالناس إلى ساباط.
الشعبي و موقفه من المختار:
عامر الشعبي هو أحد مشاهير الرواة و كان الرجل له موقف معادٍ من المختار و قد ظهر هذا الموقف في ثنايا ما يرويه ابن جرير الطبري عن ثورة المختار فقد نقل الطبري عن لأبي مخنف عن الشعبي قال كنت و أبي ممن خرجوا مع المختار فلما جزنا ساباط قال للناس أبشروا فإن شرطة الله قد حسوهم بالسيوف يوما إلى الليل بنصيبين أو قريبا من نصيبين إلا أن جلهم محصور بنصيبين قال الشعبي ثم دخلنا المدائن و اجتمعنا إليه فصعد المنبر فو الله إنه ليخطبنا و يأمرنا بالجد و حسن الرأي و الاجتهاد و الثبات على الطاعة و الطلب بدماء أهل البيت عليهم السلام إذ جاءته البشرى تترى يتبع بعضها بعضا بقتل عبيد الله بن زياد و هزيمة أصحابه و أخذ عسكره و قتل أشراف أهل الشام فقال المختار يا شرطة الله ألم أبشركم بهذا قبل أن يكون قالوا بلى و الله لقد قلت ذلك فقال رجل من الهمدانيين أتؤمن الآن يا شعبي؟ فقال الشعبي بأي شيء أؤمن أومن أن المختار يعلم الغيب!! لا أومن بذلك أبدا قال أو لم يقل لنا أنهم قد هزموا! فقال الشعبي إنما زعم لنا أنهم هزموا بنصيبين من أرض الجزيرة و إنما هو بخازر من أرض الموصل فقال و الله يا شعبي لا تؤمن حتى ترى العذاب الأليم!!).
و انصرف المختار إلى الكوفة و مضى ابن الأشتر من عسكره إلى الموصل و بعث عماله عليها و بعث أخاه عبد الرحمن على نصيبين و ما والاها من أرض الجزيرة.
المختار يبعث كتيبة لإنقاذ أهل البيت من براثن ابن الزبير:
قال ابن جرير الطبري في تاريخه ص 75 من الجزء السادس و في هذا العام (سنة 66) قدمت الخشبية إلى مكة و وافوا الحج و أميرهم أبو عبد الله الجدلي) ….. شكرا ابن جرير الطبري أيها العامل بكتاب الله الذي أوصى المسلمين أن (لا يسخر قوم من قوم و لا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن و لا تلمزوا أنفسكم و لا تنابزوا بالألقاب) و لكنهم عندما تعاملوا مع شيعة أهل البيت ضربوا بتلك الوصايا الربانية عرض الحائط فهم ينبذون الشيعة بوصف الخشبية لأنهم عندما قابلوا جيش ابن زياد و أخذوا منه بثأر السبط الشهيد كان الكثير منهم لا يملك سلاح يقاتل به إلا الخشب (و العهدة على ابن قتيبة في معارفه ص 622 ط دار المعارف) و مع ذلك هزم الجيش الأموي العرمرم  و هذا هو سر غضب ابن جرير الطبري عليهم كما يبدو.
أما سبب مجيئهم فكان (حبس عبد الله بن الزبير لمحمد بن الحنفية و من معه من أهل بيته و سبعة عشر رجلا من وجوه أهل الكوفة بزمزم بعد امتناعهم من البيعة لعبد الله بن الزبير الذي لم تجتمع عليه الأمة فتوعدهم بالقتل و الإحراق (!!) و أعطى الله عهدا إن لم يبايعوا أن ينفذ فيهم ما توعدهم به و ضرب لهم أجلا فوجه محمد بن الحنفية ثلاثة نفر من أهل الكوفة إلى المختار يستنجد به و يسألهم ألا يخذلوه كما خذلوا الحسين بن علي عليه السلام فنادى في الناس و قرأ عليهم الكتاب و قال هذا كتاب مهديكم و صريح أهل بيت نبيكم و قد تركوا محظورا عليهم كما يحظر على الغنم ينتظرون القتل و التحريق بالنار في آناء الليل و تارات النهار و لست أبا إسحق إن لم أنصرهم نصرا مؤزرا و إن لم أسرب لهم الخيل في إثر الخيل كالسيل يتلوه السيل حتى يحل بابن الكاهلية الويل.
فانتدب المختار رضوان الله عليه كتيبة لإنقاذهم بقيادة أبي عبد الله الجدلي فسار بهم حتى قدموا المسجد الحرام و هم ينادون يالثارات الحسين حتى انتهوا إلى زمزم و قد أعد ابن الزبير الحطب ليحرقهم (لم تكن مزحة!!) و كان قد بقي من الأجل يومان فطردوا الحرس و دخلوا على ابن الحنفية فقالوا له خل بيننا و بين عدو الله ابن الزبير فقال لهم ابن الحنفية إني لا أستحل القتال في حرم الله فقال لهم ابن الزبير لن أخلي سبيلهم دون أن يبايعوا  فقال له أبو عبد الله الجدلي إي و رب الركن و المقام و رب الحل و الحرام لتخلين سبيله أو لنجالدنك بأسيافنا جلادا يرتاب منه المبطلون فاجتمع المسلمون ينصرون أهل البيت و أخرجوهم من الحرم إلى شعب علي و منعوا ابن الزبير من ارتكاب ذلك الجرم البشع.
ماذا صنع المسلمون بأبطالهم و خيارهم؟؟
كلما جلسنا في حلقة نقاشية نسمع من يرددون كلاما لا يفقهون شيئا من معناه عن علم الحديث و كيف وضع العلماء السابقون قواعد للرواية و الدراية لا تأتيها البطل من بين يديها و من خلفها تلك القواعد التي جعلت عبد الله بن الزبير نجما ساطعا من نجوم الدين و وصفت أبا عبد الله الجدلي رضوان الله عليه بأنه شيعي بغيض كما وصفه بذلك (الذهبي) أو أنه (خشبي كذاب) كما وصفهم ابن جرير الطبري و في رواية ثالثة (مختاري كذاب) و لا شك أن قراءة التاريخ تعد كاشفة عن تلك الحقائق الفاضحة التي هي الخلفية الحقيقية لمنهج هؤلاء البشر في دراسة الدين و الحديث و تقديمه للناس و لذا فإن أحفاد بني أمية و السائرين على دربهم يبذلون أقصى ما لديهم من جهد للحيلولة دون قراءة التاريخ حتى لا يعرف الناس الحقائق التي تهتف كلها بفضل أهل البيت عليهم السلام و تعلي من شأنهم و تجعل من المكان الطبيعي لكل أعدائهم إما قعر جهنم أو مزبلة التاريخ مهما زور المزورون و زيف المزيفون.
انكفاء حركة المختار و استشهاده رضوان الله عليه:
كان المختار رضوان الله عليه عالما و واعيا بمآل حركته حينما قال في مبتدئ أمره (إنه قد رفعت لنا راية و مدت لما غاية فقيل لنا في الراية أن ارفعوها و لا تضعوها و في الغاية أن اجروا إليها و لا تعدوها فسمعنا دعوة الداعي و مقالة الواعي فكم من ناع و ناعية لقتلى في الواعية و بعدا لمن طغى و أدبر و عصى و كذب و تولى ألا فادخلوا أيها الناس فبايعوا بيعة هدى فو الذي جعل السماء سقفا مكفوفا و الأرض فجاجا سبلا ما بايعتم بعد بيعة علي بن أبي طالب بيعة أهدى منها).
ثم عندما أخذ بيعة الناس (على كتاب الله و سنة نبيه و الطلب بدماء أهل البيت و جهاد المحلين و الدفع عن الضعفاء و قتال من قاتلنا و سلم من سالمنا و الوفاء ببيعتنا لا نقيلكم و لا نستقيلكم) فإذا قال الرجل نعم بايعه.
فهو رحمه الله لم يكن يأخذ بيعة لنفسه باعتباره إماما فمن أين جاء الأفاقون و الكذابون و المزورون لعنة الله عليهم أجمعين من الأولين و الآخرين بفرية ادعائه للنبوة؟؟ إنها سياسة بث الشائعات و الأكاذيب تحت شعار اكذب اكذب اكذب حتى يصدقك الناس و هي سياسة أثبتت نجاعتها منذ فجر التاريخ حتى لحظة كتابة هذه السطور و هو ما لا نرى فيه أمرا غريبا و لا مستهجنا من أمة حاربت أهل بيت العصمة و النبوة و الطهارة و شيعتهم بكل أنواع الأسلحة المسموحة و المحرمة دوليا ناهيك عن أقوى هذه الأسلحة….  الدجل و التزييف و بث الدعاية الكاذبة ….. أمة لم تبالي و لم تغضب أن يسب فيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على منابرها ثلاثة و ثمانين عاما و مع ذلك لا نرى لأدعياء التقوى و الورع من خطباء المنابر الندابين أي همة في إدانة هذا النوع من الفجور و العدوان الذي أدانه القرآن الكريم و حذر منه رسولنا العظيم بكافة وسائل التحذير بل تنحصر كل همتهم في إدانة مجاهد رسالي عظيم مثل المختار بن أبي عبيد الثقفي أقدم على هذه المهمة الاستشهادية الرائعة ليطهر الأرض من هذه الأنفاس النجسة عالما أنه يتحرك في إطار محكوم و أجل  مرسوم فلم يتجاوزه و لا بد لنا أن نتساءل عن حقيقة دور الطابور الخامس المنتشر بين صفوفنا من يومها إلى يومنا هذا في تشويه صورة الإسلام الحقيقي إسلام أهل البيت عليهم السلام و قلب الموازين لصالح بني أمية و أشياعهم و تصوير المختار رضوان الله عليه في صورة دجال يلجأ إلى الشعوذة و الاستعانة (بالكرسي) من أجل رص الصفوف في مواجهة بني أمية (رمز  العلم و الاستنارة المستمسكون بعقيدة التوحيد الصحيحة و الذين لن تمسهم النار إلا أياما معدودة مثل سلفهم الصالح من بني إسرائيل!!) كما يدعي السائرون على نهجهم إلى يومنا هذا في مواجهة الشيعة (المتهمين بالغلو و الوثنية و البعد عن التوحيد الصحيح) و يبدو أنهم يقصدون أن الشيعة لا يشاركونهم معتقداتهم السياسية عن الألوهية تلك المعتقدات التي ترى (أن يد الله مغلولة و أن الله فقير و بني أمية أغنياء و أنه- تعالى الله عما يقول الناعتون و الواصفون علوا كبيرا- له ساقين و قدمين يكشف عنهما يوم القيامة فَيهم مؤمنو بني أمية (؟؟) بضربه فيقول لهم أنا ربكم …. أو كما قال البخاري عن أبي هريرة و المغيرة بن شعبة و معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم أجمعين من الأولين و الآخرين!!؟؟) و قصة الكرسي كما ذكرها ابن جرير الطبري المتحامل من الأصل على المختار قال (حدثنا أبو مخنف حدثنا موسى بن عامر أنه إنما كان يصنع ذلك لهم عبد الله بن نوف و يقول المختار أمرني بهذا و يتبرأ منه المختار) ص 85 ج 6 و الأمر كله لا يستحق مزيدا من المناقشة أو الاهتمام.
تجمعت فلول القتلة في البصرة تحت قيادة مصعب بن الزبير الذي يفترض أنه كان في حالة خصومة مع بني أمية و لكن اختلاف الرأي بين هؤلاء بل و القتال المتواصل فيما بينهم حول السلطة لا يمنع اجتماعهم على كلمة سواء هي بغضهم لأهل البيت عليهم السلام و هكذا فقد لجأ إلى المصعب شبث بن ربعي في مشهد مأساوي مفتعل إذ دخل عليه راكبا بغلة قد قطع ذنبها و قطع طرف أذنها و شق قباءه و هو ينادي يا غوثاه يا غوثاه و جاء (أشراف) الناس من أهل الكوفة فدخلوا عليه فأخبروه بمصيبتهم (!!) و هي وثوب عبيدهم و مواليهم عليهم و جاء محمد بن الأشعث بن قيس و هو واحد من أكابر المجرمين المشاركين في قتل أبي عبد الله الحسين عليه السلام و كان قد أفلت بجلده من القصاص العادل الذي كان سيوقعه به المختار بن أبي عبيد ثم أرسل المصعب إلى المهلب بن أبي صُفرة  ليأتيه فاعتل عليه فذهب إليه محمد بن الأشعث حاملا رسالته فلما قرأها قال (مثلك يا محمد يأتي بريدا؟؟!! أما وجد الصعب بريدا غيرك؟؟ فقال له محمد إني و الله لست ببريد أحد غير أن نساءنا و أبناءنا و حرمنا غلبنا عليهم عبداننا و موالينا فخرج المهلب و اجتمعت الجموع و غدوا على حرد قادرين يريدون أن تكون كلمة القتلة هي العليا و كلمة القصاص العادل هي السفلى و كان شعارهم في هذا التحرك أن المختار قد أخل بالتوازن الطبقي الذي أقره النظام الأموي الجائر و ساوى بين السادة العبيد (من كانوا عبيدا بالأمس) بل و سوى بين العرب و الموالي و لا زال أحفاد هؤلاء يعتقدون أنهم سادة الدنيا بالرغم من أنهم يتقلبون من أذلين إلى أذلين و من سافلين إلى أسفل سافلين منذ أن ارتكبوا أبشع جريمة عرفتها البشرية جمعاء ألا و هي قتل أبي عبد الله الحسين و ها هم الأحفاد (القوميون) يصرخون وا عروبتاه وا إسلاماه غلبتنا أمريكا !!! أمريكا تريد أن تأخذ نفطنا في نفس الوقت الذي لا يقلعون فيه لا عن طبقيتهم و لا عن عنصريتهم البغيضة التي لا يمارسونها إلا في وجه إخوانهم في الدين ناهيك عن أنهم لا يستطيعون الحياة بدون الديكتاتورية  و الاستبداد و القمع الذين رضعوه منذ نشأتهم و الذي أصبح خبزهم  إلى يومنا هذا!!.
تقدمت جحافل الإجرام باتجاه الكوفة فبلغ ذلك المختار فقام في أصحابه فحمد الله و أثنى عليه ثن قال يا أهل الكوفة يا أهل الدين و أعوان الحق و أنصار الضعيف و شيعة الرسول و آل الرسول إن فُراركم الذين بغوا عليكم أتوا أشباههم من الفاسقين فاستغووهم عليكم ليمحص الحق و ينتعش الباطل و يقتل أولياء الله و الله لو تهلكون ما عبد الله إلا بالفرى على الله و اللعن لأهل بيت نبيه انتدبوا مع أحمر بن شميط فإنكم لو قد لقيتموهم لقد قتلتموهم إن شاء الله قتل عاد و إرم.
فخرج الناس مع أحمر بن شميط و دارت رحى المعركة و كانت الدائرة على أصحاب المختار و بعث المصعب عباد بن الحصين إلى الخيل و قال أيما أسير أخذته فاضرب عنقه (!!؟؟) و سرح محمد بن الأشعث في خيل عظيمة من خيل أهل الكوفة الفارين من المختار فقال دونكم ثأركم فكانوا إذ انهزموا أشد عليهم من أهل البصرة لا يدركون منهزما إلا قتلوه و لا يأخذون أسيرا فيعفون عنه قل ينج من هذا الجيش إلا طائفة من أصحاب الخيل و أما رجالتهم فأبيدوا إلا قليلا.
نقل أبو مخنف عن معاوية بن قرة المزني و كان قاضيا لأهل البصرة قال انتهيت إلى رجل من أصحاب المختار فأدخلت سنان الرمح في عينه فأخذت أخضخض عينه يسنان رمحي فسأله السائل مستنكرا و فعلت به هذا قال نعم إنهم كانوا عندنا أحل دماء من الترك و الديلم.
ثم جاء الخبر إلى المختار فقيل له هذه مصيبة فقال ما من الموت بد و ما من ميتة أموتها أحب إلي من مثل ميتة ابن شميط حبذا مصارع الكرام قال فعلمت أن الرجل قد حدث نفسه إن لم يصب حاجته أن يقاتل حتى يموت.
مصرح محمد بن الأشعث بن قيس:
إنه واحد من قتلة أبي عبد الله الحسين و قد جاء هذه المرة لقتال المختار مع جيش مصعب بن الزبير فكان أن قتله المختار في إحدى جولات الصراع و صدق قول الله تعالى (إنا من المجرمين منتقمون).
ثم حوصر المختار و من بقي معه من أصحابه داخل بيوتهم بالكوفة و طال الحصار عليهم فقال المختار لأصحابه و يحكم إن الحصار لا يزيدكم إلا ضعفا انزلوا بنا فلنقاتل حتى نقتل كراما إن نحن قتلنا و الله ما أنا بآيس إن صدقتموهم أن ينصركم الله فضعفوا و عجزوا فقال لهم المختار أما أنا فو الله لا أعطي بيدي و لا أحكمهم في نفسي و لما رأى عبد الله بن جعدة بن هبيرة بن أبي وهب ما يريد المختار تدلى من القصر بحبل فلحق بأناس من إخوانه فاختبأ عندهم ثم إن المختار أزمع بالخروج إلى القوم حين رأى من أصحابه الضعف و الفشل و لما خرج من القصر خرج معه السائب فقال له ماذا ترى قال له الرأي لك فماذا ترى قال أنا أرى أم الله يرى قال الله يرى إنما أنا رجل من العرب رأيت ابن الزبير انتزى على الحجاز و رأيت نجدة انتزى على اليمامة و مروان على الشام فلم أكن دون أحد من رجال العرب فأخذت هذه البلاد فكنت كأحدهم إلا أني قد طلبت يثأر أهل البيت إذ نامت عنه العرب فقتلت من شرك في دمائهم و بالغت في ذلك إلى يومي هذا فقاتل على حسبك إن لم تكن لك نية ثم خرج لهم المختار و هو يتمثل قول الشاعر غيلان بن سلمة:

و لو يراني أبو غيلان إذ حسرت    عني الهموم بأمر ما له طبق

لقال رُهبا و رُعبا يُجمعان معا     غُنمُ الحياة و هول النفس و الشفق

إما تُسف على مجد و مكرمة    أو أسوة لك فيمن تُهلِك الورق

فخرج إليهم قائلا فقال لهم أتؤمنوني و أخرج لكم فقالوا لا إلا على الحكم فقال لا أحكمكم في نفسي أبدا ثم خرج إليهم يقاتل حتى قتل رضوان الله عليه و كان هذا عام 67 للهجرة النبوية.
ثم أسر من تبقى من أصحاب المختار فقتلوا جميعا و كان عدتهم سبعة آلاف في غداة واحدة و أمر مصعب بقطع كف المختار فقطعت ثم سمرت بمسمار حديد إلى جانب المسجد و بقيت هكذا حتى جاء الحجاج الثفقي فأمر بنزعها. 

مصعب بن الزبير  يقتل امرأة المختار.
و ما زالت الرواية لابن جرير الطبري (مع ملاحظة أن هؤلاء هم من يقول عنهم أحفاد الخوارج المعاصرون أنهم من خير القرون) أن المصعب بعث إلى زوجتي المختار أم ثابت بنت سمرة بن جندب و عمرة بنت النعمان بن بشير الأنصاري فقال لهما ما تقولان في المختار فقالت أم ثابت ما عسى أن نقول فيه إلا ما تقولون فقالوا لها اذهبي وأما عمرة فقالت رحمة الله عليه إنه كان عبدا من عباد الله الصالحين فرفعها مصعب إلى السجن وكتب فيها إلى عبد الله بن الزبير إنها تزعم أنه نبي فكتب إليه أن أخرجها فاقتلها فأخرجها بين الحيرة و الكوفة فضربها ثلاث ضربات بالسيف فقتلها.
ما كل هذا التجرد من الإنسانية و الدين بل و من قيم العروبة و الإسلام التي يدعي هؤلاء الانتماء إليها بل و يدعى لهم أنهم خير من يمثلها إنها جريمة يندى لها جبين الإنسانية جريمة ارتكبت ممن يزعمون أنهم أصحاب العقيدة الصحيحة في حق امرأة مظلومة وفية لزوج عظيم ثم يتساءل هؤلاء في بلاهة و عته منقطع النظير عن المسئول الأول عن بث أفكار التكفير و القتل العقائدي و أحداث الحادي عشر من سبتمبر و يقولون أن الإسلام هو دين السماحة و الرحمة و الرقة ثم يهلوسون بأن لا صلاح لأمة محمد إلا باقتفاء أثر هؤلاء القتلة و الابتعاد عما يمثله الشيعة من انحراف عقائدي و إنا لله و إنا إليه راجعون.
لم تكن تلك الجريمة المخجلة مجرد حدث معزول ورد ذكره في كتاب من كتب التاريخ و لكنها كانت واقعة هزت القلوب و أثارت مشاعر الغضب المستنكرة لهذا النهج الخارج عن كل القيم و المعايير فها هو الشاعر الشهير عمر بن أبي ربيعة يتحدث عن هذه الفاجعة بقوله:

إن من أعجب العجائب عندي      قتل بيضاء حرة عطبول

قُتلت هكذا على غير جرم             إن لله درها من قتيل

كتب القتل و القتال علينا     وعلى المحصنات جر الذيول

أما سعيد بن عبد الرحمن بن ثابت فقال

أتى راكبٌ بالأمر ذي النبأِ العجبْ     بقتل ابنة النعمان ذي الدين و الحسبْ

بقتل فتاة ذات دلٍ ستيرةٍ   مهذبة الأخلاق و الخيم و النسب

مطهرة من نسل قوم أكارم      من المؤثرين الخير في سالف الحقب

خليل النبي المصطفى و نصيره و صاحبه في الحرب و النكب و الكرب

أتاني بأن الملحدين توافقوا  على قتلها لا جُنِبُوا القتل و السلب

فلا هنأت آل الزبير معيشةٌ  و ذاقوا لباس الذل و الخوف و الحرب

كأنهم إذ أبرزوها و قطعت       بأسيافهم فازوا بمملكة العرب

ألم تعجب الأٌقوام من قتل حرة            من المحصنات الدين محمودة الأدب

من الغافلات المؤمنات بريئة     من الذم و البهتان و الشك و الكذب
علينا كتاب القتل و البأس واجب     و هن العفاف في الحجال و في الحجب

على دين أجداد لها و أبوة    كرام مضت لم تخز أهلا و لم ترب

من الخفرات لا خروج بذية     ملائمة تبغي على جارها الجنب

و لا الجار ذي القربى و لم تدر ما الخنا    و لم تزدلف يوما بسوء و لم تحب

عجبت لها إذ كفنت و هي حية    ألا إن هذا الخطب من أعجب
العجب
كأنهم إذ قطعوها فازوا بملك العرب!! و بالسيادة على الكون و التقدم و الحضارة و الرقي و ما أشبه الليلة بالبارحة.

حوار بين عبد الله بن عمر و مصعب بن الزبير
روى ابن جرير الطبري عن أبي مخنف أن مصعبا لقي عبد الله بن عمر فسلم عليه و قال له أنا ابن أخيك مصعب فقال له ابن عمر نعم أنت القاتل سبعة آلاف من أهل القبلة في غداة واحدة عش ما استطعت فقال مصعب إنهم كفرة سحرة فقال ابن عمر و الله لو قتلت عدتهم غنما من تراث أبيك لكان ذلك سرفا تاريخ الطبري ج6 ص 113.
و روى ابن جرير الطبري الواقعة بطريق مختلف قال (لما قتل المختار شاور مصعب أصحابه في المحصورين الذين نزلوا على حكمه و كان عددهم ستة آلاف فأشار عليه البعض بقتلهم فقتلهم جميعا) فقال عقبة الأسدي:

قتلتم ستة الآلاف صبرا     مع العهد الموثق مكتفينا

جعلتم ذمة الحََبَطي جسرا      ذلولا ظهره للواطئينا

و ما كانوا غداة دعوا فغروا       بعهدهم بأول حائنينا

و كنت أمرتهم لو طاوعوني بضرب في الأزقة مصلتينا

تاريخ الطبري ج6 ص 116.
هذا هو تاريخنا البائس و تراثنا المر الذي لا بد من قراءته و مواجهة كل ما فيه من حقائق و استخلاص العبر اللازمة منها فالجريمة التي أدين بسببها  المختار كما قال هو (قد طلبت بثأر أهل البيت إذ نامت عنه العرب فقتلت من شرك في دمائهم و بالغت في ذلك إلى يومي هذا) و هي جريمة لا يغفرها المنافقون الذين استولوا على قيادة سفينة الأمة الإسلامية و حولوا دفتها و مسارها بعيدا عن الوجهة الأصلية لها و قادوها إلى بحر لجي ظلماته بعضها فوق بعض حتى هذه اللحظة و هم الذين نجحوا في تشويه صورة المختار بكافة أنواع الدعاية و الأكاذيب حتى لدى من يفترض أنهم من شيعة أهل البيت و من أنصارهم و ما زال أسلوبهم المنحط واحدا من يومها (فشيعة أهل البيت كانوا و لا زالوا متهمين بالانحراف العقائدي و المختار مدع للنبوة يستعين بالكرسي و لكي يثبت هؤلاء الفجار صدق ادعائهم قتلوا امرأة حرة من ذروة سنام الحسب و النسب و السابقة في الإسلام و لا شيء من هذا يدينهم على الإطلاق طالما أن عقيدتهم صحيحة (!!) لأنهم لا يحبون أهل البيت و لا يؤمنون بولايتهم و لأنهم رضوا عن قتل الحسين عليه السلام المهم إذا العقيدة لا الأفعال أما الشيعة فهم على العكس من هذا فهم أصحاب عقيدة منحرفة بحبهم لأهل البيت و لا ينفعهم حسن عملهم و لا جهدهم في سبيل الله و الانتقام من قتلة الحسين عليه السلام ليس فضيلة و لا مكرمة يثاب صاحبها و لم نقرأ طيلة بحثنا في هذه القضية كلمة إدانة واحدة لهؤلاء القتلة و لا كلمة ثناء واحدة على من غسلوا عار هذه الأمة بأخذهم ثأر أهل البيت و هم من العرب و من المسلمين حتى إذا قلنا أنهم ليسوا بأفضلهم) إنها قلوب صخرية و ضمائر ميتة و أرواح مكانها الأمثل قعر جهنم لا يخفف عنهم من عذابها و هم فيها ماكثون (و قالوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون لقد جئناكم بالحق و لكن أكثركم للحق كارهون) إنه منطق لا يختلف عن منطق شارون في قليل أو كثير إنه منطق القوة الباطشة التي تفرض قيمها على الناس.
هل عرفتم إذا حقيقة الصراع و لماذا اتهم المختار بما اتهم به من أكاذيب و لماذا كان المصعب و أخوه عبد الله حريصان على تنفيذ قرار الإدانة المزيف ضد تلك المرأة الفاضلة و حكم الإعدام الذي لا سابقة له إلا في قانون الغاب ألا لعنة الله على الظالمين.
الحقيقة حول المختار بن أبي عبيد:
قلنا من قبل أن هذا الثائر العظيم لم يسلم من القيل و القال و لا من مؤامرات التشهير التي تصب كلها في النهاية في قناة الغمز على أهل البيت و شيعتهم المتهمين إما بالكذب على أئمة أهل البيت عليهم السلام و في حالة المختار بن أبي عبيد بادعاء النبوة و كما رأينا و شاهدنا لم يكن هناك أي دليل يدعم هذه التهمة الجائرة و الجريمة التي ارتكبها المختار من وجهة نظر المعادين لأهل البيت من الأخسرين أعمالا من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا هي أنه قتل هؤلاء المجرمين و أنزل بهم ما يستحقون من القصاص العادل و حسبك هذا جرما عند هؤلاء الأوغاد الذين لا يذكرون أعداء أهل البيت و لا قتلتهم بسوء و يسعون جاهدين لإطفاء نور الله و عدم الحديث عن شيء من هذه الجرائم و لو بكلمة واحدة.
و المأساة أن هذه الحملة الظالمة الموجهة ضد ذلك المناضل الرسالي العظيم قد وجدت من يرددها من بين شيعة أهل البيت عليهم السلام بالرغم من شهادة أئمة أهل البيت عليهم السلام للمختار و دونكم هذه الأخبار الواردة عن أهل البيت و التي تثبت نزاهة و عظمة المختار و المصدر هو بحار الأنوار:
1- عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين عليه السلام قال لا تسبوا المختار فإنه قد قتل قتلتنا و طلب بثأرنا و زوج أراملنا و قسم فينا المال على العسرة.
2- عن عبد الله بن شريك قال دخلنا على أبي جعفر ع يوم النحر و هو متكئ و قال أرسل إلى الحلاق فقعدت بين يديه إذ دخل عليه شيخ من أهل الكوفة فتناول يده ليقبلها فمنعه ثم قال من أنت قال أنا أبو محمد الحكم بن المختار بن أبي عبيد الثقفي و كان متباعدا من أبي جعفر فمد يده إليه حتى كاد أن يقعده في حجره بعد منعه يده ثم قال أصلحك الله إن الناس قد أكثروا في أبي و قالوا و القول و الله قولك قال أي شيء يقولون قال يقولون كذاب و لا تأمرني بشيء إلا قبلته فقال سبحان الله أخبرني أبي و الله أن مهر أمي كان مما بعث به المختار أو لم يبن دورنا و قتل قاتلينا و طلب بدمائنا فرحمه الله رحم الله أباك ما ترك لنا حقا عند أحد إلا طلبه قتل قاتلينا و طلب بدمائنا.
3- عن الأصبغ قال رأيت المختار على فخذ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام و هو يمسح رأسه و يقول يا كيس يا كيس.
4- عن جارود بن المنذر عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ع قال ما امتشطت فينا هاشمية و لا اختضبت حتى بعث إلينا المختار برؤوس الذين قتلوا الحسين صلوات الله عليه.
5- عن عمر بن علي بن الحسين أن علي بن الحسين لما أتي برأس عبيد الله بن زياد و رأس عمر بن سعد خر ساجدا و قال الحمد لله الذي أدرك لي ثأري من أعدائي و جزى المختار خيرا.
6- عن عمر بن علي بن الحسين أن المختار أرسل إلى  علي بن الحسين بعشرين ألف درهم فقبلها و بنى بها دار عقيل بن أبي طالب و دارهم التي هدمت.
7- عن أبي حمزة الثمالي قال كنت أزور علي بن الحسين في كل سنة مرة في وقت الحج فأتيته سنة و إذا على فخذه صبي فقام الصبي فوقع على عتبة الباب فانشج فوثب إليه مهرولا فجعل ينشف دمه و يقول إني أعيذك أن تكون المصلوب في الكناسة قلت بأبي أنت و أمي و أي كناسة قال كناسة الكوفة قلت و يكون ذلك قال إي و الذي بعث محمد بالحق لئن عشت بعدي لترين هذا الغلام في ناحية من نواحي الكوفة و هو مقتول مدفون مسحوب مصلوب في الكناسة ثم ينزل فيحرق و يذرى في البر فقلت جعلت فداك و ما اسم هذا الغلام فقال ابني زيد ثم دمعت عيناه و قال لأحدثنك بحديث ابني هذا بينا أنا ليلة ساجد و راكع ذهب بي النوم فرأيت كأني في الجنة و كان رسول الله و عليا و فاطمة و الحسن و الحسين قد زوجوني من حوراء من حور العين ثم هتف بي هاتف ليهنئك زيد فاستيقظت و تطهرت و صليت صلاة الفجر فدق الباب رجل فخرجت إليه فإذا معه جارية ملفوف كمها على يده مخمرة بخمار قلت حاجتك قال أريد علي بن الحسين قلت أنا هو قال أنا رسول المختار بن أبي عبيد الثقفي يقرئك السلام و يقول وقعت هذه الجارية في ناحيتنا فاشتريتها بستمائة دينار و هذه ستمائة دينار فاستعن بها على دهرك و دفع إلى كتابا كتبت جوابه و قلت ما اسمك قالت حوراء فهيئوها لي و بت بها عروسا فعلقت بهذا الغلام فأسميته زيدا و سترى ما أقول لك قال أبو حمزة الثمالي فو الله لقد رأيت كل ما ذكره علي بن الحسين في ابنه زيد.
8- أما صاحب رسالة (شرح الثأر) جعفر بن محمد بن نما فيشرح على تولي محمد بن الحنفية توجيه المختار بن أبي عبيد بأن هذا كان نيابة عن ابن أخيه علي بن الحسين إمام الزمان و أن محمد بن الحنفية كان من المقرين بإمامة السجاد عليه السلام فكيف يقال إذا أن المختار كان يدعو لإمامته بدلا من إمامة علي بن الحسين.

ثورة زيد بن علي بن الحسين
بن علي
روى أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين بإسناده إلي أبي جعفر عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم للحسين بن علي (يخرج رجل من صلبك يقال له زيد يتخطى هو أصحابه يوم القيامة رقاب الناس غراً محجلين يدخلون الجنة بغير حساب).
كما روى أيضا عن رسول الله (يقتل رجل من أهل بيتي فيصلب لا ترى الجنة عين رأت عورته).
و روى أبو الفرج الأصفهاني عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال (يخرج بظهر الكوفة رجل يقال له زيد في أبهة و الأبهة الملك لا يسبقه الأولون و لا يدركه الآخرون إلا من عمل بمثل عمله يخرج يوم القيامة هو أصحابه معهم الطوامير أو شبه الطوامير حتى يتخطوا أعناق الخلائق تتلقاهم الملائكة فيقولون هؤلاء حلف الخلف و دعاة الحق و يستقبلهم رسول الله صلى الله عليهم و سلم فيقول يا بني قد عملتم ما أمرتم به فادخلوا الجنة بغير حساب).
و روى أيضا عن عبد الله بن محمد بن الحنفية قال (مر زيد بن علي بن الحسين على محمد بن الحنفية فرق له و أجلسه و قال أعيذك بالله أن تكون زيدا المصلوب بالعراق و لا ينظر أحد إلى عورته و لا ينظره إلا كان في أسفل درك من جهنم).
و روى أيضا عن أبي الجارود قال (قدمت المدينة فجعلت كلما سألت عن زيد بن علي قيل لي ذاك حليف القرآن).
تحرك زيد حليف القرآن:
قال تعالى (أفرأيت إن متعناهم سنين* ثم جاءهم ما كانوا يُوعدون* ما أغنى عنهم ما كانوا يُمتعون* و ما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون* ذكرى و ما كنا ظالمين) سورة الشعراء 205-209.
هذا هو حال الدول الجائرة التي تسعى إلى الخلد على جماجم العباد و أي عباد سحقتهم تلك الدولة الأموية الجائرة؟؟ إنها جماجم أهل بيت العصمة و النبوة الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا.
ودارت بهم الأيام التي حسبوها أياما طوال ولا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام!!! و لا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار و ما هي من الظالمين ببعيد و لو تأمل كل جبار عنيد فيما لحق بأسلافهم الذين زال ملكهم و أذهب الله ريحهم لفكروا ألف مرة قبل أن يقدموا على جريمة واحدة من جرائمهم فكيف بآلاف الجرائم التي ارتكبوها و كيف بعصر قام كله على الغش و الخداع و الإجرام و ما هي من الظالمين ببعيد و ها نحن نقترب من نهايات العصر الأموي سنة إحدى وعشرين ومائة أي بعد أكثر من خمسين عام من ثورة المختار و استشهاده و على مسافة أعوام قليلة من نهاية الحقبة الأموية السوداء و بداية الحقبة العباسية الأشد سوادا لا يهم المهم أن يعلم الظالم أن دولة الظلم ساعة و أنها لا تدوم و من هنا نفهم سر النبوءة العلوية (قد عملتم ما أمرتم به) و كيف أن عظمة تحرك زيد بن علي رضوان الله عليه لا تقتصر على قيامه في وجه الباطل و استشهاد و حسب فهناك بعد التوقيت حيث كان توقيت النهضة الزيدية عاملا رئيسيا من عوامل التعجيل بسقوط ذلك الكيان الإرهابي الإجرامي المسمى بالدولة الأموية التي يبكي البعض و ينوح عليها ربما لأنها لم تشبع حقدهم على أهل البيت قتلا و سلبا و تحريقا و منهبة بما يكفي و هي ليست بالمدة الزمنية الكبيرة في عمر الأمم.
بدأت الأحداث بعزل خالد بن عبد الله القسري من ولاية الكوفة و تولية يوسف بن عمر الثقفي عليها من قبل هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي و يبدو أن حرص الخليفة الأموي على المال كانت وراء هذا العزل فقد روى ابن جرير الطبري في جزئه السابع ص 154 (كان خالد يخطب فيقول إنكم تزعمون أني أغلي أسعاركم فعلى من يغليها لعنة الله و كان هشام كتب إلى خالد لا تبيعن من الغلات شيئا حتى تباع غلات أمير المؤمنين حتى بلغت كيلجة (مكيال عندهم) درهما و يبدو أن هشاما كان مولعا بجمع الأموال وأن العراق في عهد خالد القسري قد شهد طفرة اقتصادية نتيجة بعض المشاريع و الأنهار التي شقها خالد مما أدى إلى انتعاش غير مسبوق حيث يروي أيضا ابن جرير الطبري ص 151 (وكان سبب ذلك أنه اعتقد بالعراق أموالا وحفر أنهارا حتى بلغت غلته عشرين مليونا منها نهر خالد وكان يغل خمسة آلاف ألف وباجوى وبرمان والمبارك والجامع وكورة سابور و الصلح) حتى أن بعض أصحابه قالوا (إني أحسب أن هذا الرجل قد تخلى منه إن قريشا لا تحتمل هذا ونحوه وهم أهل حسد وهذا يظهر ما يظهر!! فقلت له يوما أيها الأمير إن الناس رموك بأبصارهم وهي قريش وليس بينك وبينهم إل "أي حلف" وهم يجدون منك بدا وأنت لا تجد منهم بدا فأنشدك الله إلا ما كتبت إلى هشام تخبره عن أموالك وتعرض عليه منها ما أحب فما أقدرك على أن تتخذ مثلها وهو لا يستفسدك فلعمري لأن يذهب بعض ويبقى بعض خير من أن تذهب كلها!! وما كان يستحسن أن تأخذها كلها) الطبري ج 7 ص 152.
خلع خالد بن عبد الله القسري وصودرت أمواله ويبدو أن هشام بن عبد الملك قد انتابته لوثة البحث عن المال أو لعله وجد فيها فرصة ليشفي حقده من أهل البيت عليهم السلام فأرسل في استدعاء زيد بن علي رضوان الله عليه و جماعة من بني هاشم للتحقيق معهم حول الادعاء المنسوب إليهم على لسان يزيد بن خالد بن عبد الله القسري أو على لسان خالد نفسه كما جاء في رواية أخرى فقال له زيد (أنشدك الله و الرحم أن تبعث بي إلى يوسف بن عمر قال و ما الذي تخاف منه قال أخاف أن يعتدي علي قال له هشام ليس ذلك له و دعا هشام كاتبه فكتب إلى يوسف بن عمر أما بعد فإذا قدم عليم فلان و فلان فاجمع بينهم و بين يزيد بن خالد القسري فإن هم أقروا بما ادعى عليهم فسرح بهم إلي و إن هم أنكروا فسله البينة فإن هو لم يقم البينة فاستحلفهم بعد العصر بالله الذي لا إله إلا هو ما استودعهم يزيد بن خالد القسري وديعة و لا له قبلهم شيء ثم خل سبيلهم فقالوا لهشام إنا نخاف أن يتعدى كتابك و يطول علينا قال كلا أنا باعث معكم رجلا من الحرس يأخذه بذلك حتى يعجل الفراغ فسرح بهم إلى يوسف و احتبس أيوب بن سلمة لأن أخواله من بني أمية فلم يؤخذ بشيء من ذلك القرف) تاريخ الطبري ج7 ص 161
إنها حالة من التكدير الأمني و الإهانة المتعمدة التي تشبه ما تفعله تلك (الأجهزة) حين تأخذ من تريد تحطيم معنوياتهم من كرام الناس من بيوتهم و ترسلهم كما يقول التعبير الدارج (كعب داير) و لك أن تتخيل معاناة هؤلاء الكرام و هم يُرحلون من المدينة المنورة جنوبا إلى دمشق شمالا ثم إلى العراق شرقا على وسائل المواصلات البدائية ليسألوا و يحلفوا و يستجوبوا عن بضعة آلاف من الدراهم و من الذي سيسألهم؟؟ إنهم لصوص الأمة و سارقيها الذين اغتصبوا إرادتها و نهبوا خيراتها إنه ذلك الخليفة الأموي  الجشع و المستبد الذي أطاح بأميره على الكوفة حسدا و طمعا و هو الذي كان يأمره ألا يبيع غلات العراق حتى يبيع هو محاصيله بالسعر الذي يريده!!! كم هي مؤسفة و مزرية تلك الحالة التي مرت بها الأمة و أهل بيت النبوة رضوان الله عليهم أجمعين.
أما تاريخ اليعقوبي ج2 ص 325 فيزيد الأمور وضوحا في روايته عن ملابسات تلك الرحلة المفروضة على الشهيد زيد بن علي بن الحسين رضوان الله عليه (أن زيدا رضوان الله عليه قال لهشام لا توجهني إلى عبد ثقيف يتلاعب بي فقال لا بد من إشخاصك إليه !! ثم قال له هشام بلغني أنك تؤهل نفسك للخلافة (و لعل هذا هو سر الاستدعاء !!) و أنت ابن أمة قال ويلك و هل يضعني مكان أمي؟؟ و الله لقد كان اسحق ابن حرة و إسماعيل ابن أمة فاختص الله عز و جل ولد إسماعيل فجعل منهم العرب فما زال كذلك ينمي حتى كان منهم رسول الله ثم قال اتق الله يا هشام فقال أو مثلك يأمرني بتقوى الله قال نعم إنه ليس أحد دون أن  لا يأمر بها و لا أحد دون أن يسمعها فأخرجه مع رسل من قبله فلما خرج قال و الله إني لأعلم أنه ما أحب الحياة أحد قط إلا ذل.
أما ابن أبي الحديد صاحب شرح نهج البلاغة في جزئه الثالث ص 316 فيضيف رواية أخرى و لكنها مكملة لتلك الرواية السابقة و هي (فلما قعد زيد بين يدي هشام و حدثه حلف له على شيء فقال هشام لا أصدقك فقال زيد إن الله لا يرفع أحدا عن أن يرضى بالله و لم يضع أحدا عن أن يرضى بذلك منه قال له هشام إنه بلغني أنك تذكر الخلافة و تتمناها و لست هناك لأنك ابن أمة فقال زيد إن لك جوابا قال تكلم قال إنه ليس أولى بالله و لا أرفع درجة عنده من نبي ابتعثه و هو إسماعيل بن إبراهيم و هو ابن أمة قد اختاره الله لنبوته و أخرج منه خير البشر فقال هشام فما يصنع أخوك البقرة فغضب زيد حتى كاد يخرج من إهابه ثم قال سماه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم الباقر و تسميه أنت البقرة لشد ما اختلفتما لتخالفنه في الآخرة كما خالفته في الدنيا فيرد الجنة و ترد النار فقال هشام خذوا بيد هذا الأحمق المائق فأخرجوه فأخذ الغلمان بيده فأقاموه فقال هشام احملوا هذا الخائن الأهوج إلى عامله فقال زيد لئن حملتني إليه لا أجتمع أنا و أنت حيين و ليموتن الأعجل منا فأخرج زيد و أشخص إلى المدينة و معه نفر يسرونه حتى طردوه عن حدود الشام فلما فارقوه عدل إلى العراق و دخل إلى الكوفة و بايع لنفسه فأعطاه البيعة أكثر أهلها.
و كتب هشام بن عبد الملك إلى يوسف بن عمر (وفقا للرواية المرتبطة بخالد بن عبد الله القسري) إذا قدم عليك زيد بن علي فاجمع بينه و بين خالد بن عبد الله القسري و لا يقيمن قبلك ساعة واحدة فإني رأيته رجلا حلو اللسان شديد البيان خليقا بتمويه الكلام و أهل العراق أسرع شيء إلى مثله.
فلما قدم زيد رضوان الله عليه إلى الكوفة دخل إلى يوسف فقال لم أشخصتني من عند أمير المؤمنين فقال يوسف ذكر خالد بن عبد الله أن له عندك ستمائة ألف درهم فأحضر خالد و عليه حديد ثقيل فقال له يوسف هذا زيد بن علي فاذكر مالك عنده فقال خالد و الله الذي لا إله إلا هو ما لي عنده شيء قليل و لا كثير و لا أردتم بإحضاره إلا ظلمه و هناك رواية أخرى لابن جرير الطبري أن يوسف الثقفي قال لزيد رضوان الله عليه (زعم خالد أنه أودعك مالا قال أنى يودعني مالا و هو يشتم آبائي على منبره فأرسل إلى خالد فأحضر فقال له هذا زيد قد زعمت أنك أودعته مالا و قد أنكر فنظر خالد في وجههما ثم قال أتريد أن تجمع مع إثمك في إثما في هذا و كيف أودعه مالا و أنا اشتمه و أشتم آباءه على المنبر فشتمه يوسف ثم رده إلى محبسه) الطبري ج 7 ص 166 ثم قال له يوسف إن أمير المؤمنين أمرني أن أخرجك من الكوفة ساعة قدومك قال زيد فأستريح ثلاثا ثم أخرج قال ما إلى ذلك من سبيل قال فيومي هذا قال و لا ساعة واحدة فأخرجه مع رسل من قبله فتمثل بقول الشاعر:
منخرق الخفين يشكو الوجى        تنكبه أطراف مرد حداد
ِ
شرده الخوف و أزرى به             كذلك من يكره حر الجلادِ

قد كان في الموت راحة له   و الموت حتم في رقاب العبادِ

فلما صار رسل يوسف بالعذيب انصرفوا و انكفأ زيد راجعا إلى الكوفة فاجتمع إليه من بها من الشيعة.
و أيا كانت الأسباب الحقيقية وراء ذهاب زيد رضوان الله عليه إلى العراق ليبدأ منه حركته الثورية التي مثلت إحدى الضربات الرئيسية التي عجلت بانهيار ذلك النظام الساقط أخلاقيا منذ بدايته فإن تلك المحاورات تكشف عن جهل و غباء و جبروت و تعنت ذلك الطاغية الأموي الذي ظن أن الدنيا يمكن أن تدوم له هو و بنو أبيه فاستكثروا من الكبر و الغرور و الاستخفاف بفضلاء الأمة من آل بيت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و مارسوا في حقهم السب و الشتم و الإهانة و التحقير فضلا عن الحرمان من الحقوق المالية و العدالة الاجتماعية ثم هو يضيف جريمة كبرى إلى لائحة جرائمه بسبه للإمام الباقر محمد بن علي بن الحسين شقيق الشهيد زيد فيسميه ذلك التافه المغرور بالبقرة و يجيبه زيد الشهيد بقوله (سماه رسول الله الباقر- أي الذي يبقر العلوم و يتبحر فيها- و تسميه أنت البقرة !! لشد ما تخالفتما في الدنيا و الآخرة).
صدقت يا ابن علي بن الحسين يا ابن السجاد يا حفيد علي بن أبي طالب و الحسين يا ابن الدوحة الطاهرة المباركة يا حليف القرآن فو الله ما أحب الحياة أحد قط إلا ابتلاه الله بالحرص و الذل إنها نفس الفلسفة التي انطلق من خلالها الإمام الجد الحسين بن علي عليه السلام الذي خرج لملاقاة حتفه قائلا:
أذل الحياة و ذل الممات           و كلا أراه طعاما وبيلا
فإن كان لا بد من إحداهما فسيري    إلى الموت سيرا جميلا

و هي هي نفس فلسفة الإمام علي بن أبي طالب التي علمها لأنصاره بقوله (الموت في حياتكم مقهورين و الحياة في موتكم قاهرين) إنها نفس المعاني التي رددها زيد الشهيد: (شرده الخوف و أزرى به كذلك من يكره حر الجلادِ).
بدأت وفود الشيعة في الاجتماع حول زيد بن علي بن الحسين و كالعادة في مثل هذه المواقف أقبل إليه الناصحون المعتدلون يحضونه على عدم الخروج على بني أمية و يذكرونه بما لحق بجده الحسين بن علي عليه السلام حيث قال له محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب (أذكرك الله يا زيد لما لحقت بأهلك و لم تقبل قول أحد من هؤلاء الذين يدعونك إلى ما يدعونك إليه فإنهم لا يفون لك) فلم يقبل منه ذلك و رجع.
قال أبو مخنف فأقبلت الشيعة لما رجع الكوفة يختلفون إليه و يبايعون له حتى أحصى ديوانه خمسة عشر ألف رجل فأقام بالكوفة بضعة عشر شهرا إلا أنه قد كان منها بالبصرة نحو شهرين ثم أقبل إلى الكوفة فأقام بها و تزوج منها.
إلى أي شيء كان يدعو رضوان الله عليه؟؟.
قال ابن جرير الطبري كانت بيعته التي يبايع عليها الناس (إنا ندعوكم إلى كتاب و سنة نبيه صلى الله عليه و آله و سلم و جهاد الظالمين و الدفع عن المستضعفين و إعطاء المحرومين و قسم هذا الفيء بين أهله بالسواء و رد الظالمين و إقفال المجمّر (أي إبقاء الجنود في الثغور فترة طويلة) و نصرنا أهل البيت على من نصب لنا و جهل حقنا). فيقول أتبايعون على ذلك؟؟ فإذا قالوا نعم وضع يده على يد المبايع ثم يقول عليك عهد الله و ميثاقه و ذمته و ذمة رسوله لتفين ببيعتي و لتقاتلن عدوي و لتنصحن في السر و العلانية فإذا قال نعم مسح يده على يده ثم قال اللهم اشهد فمكث بذلك بضعة شهرا فلما دنا خروجه أمر أصحابه بالتهيؤ و الاستعداد فشاع أمره بين الناس.
كما يروي الطبري أن ابن عمه داود بن علي عزم عليه أن لا يخرج فقال (يا داود إن بني أمية قد عتوا و قست قلوبهم).
إذا فالدافع المحرك للتحرك الزيدي كان مجموعة من المبادئ الرسالية السامية و هي:
1- جهاد الظالمين.
2- الدفع عن المستضعفين.
3- إعطاء المحرومين.
4- نصرة أهل البيت و الدفاع عن وجودهم و كرامتهم التي استمرأ شياطين بني أمية اغتيالها و انتهاكها.
لم يطلب رضوان الله عليه من الناس البيعة لشخصه بالإمامة أو بالخلافة و هو ما يشكل فارقا هاما و جوهريا بين تحركه رضوان الله عليه و ما يسمى بالجماعات الإسلامية المعاصرة التي تبدأ أول ما تبدأ بأخذ البيعة لإمام مزعوم على السمع و الطاعة المطلقة في حين حافظ كل المنتمين لمدرسة أهل البيت على أن تكون البيعة المأخوذة في إطار الولاء لأئمة الحق من آل محمد سلام الله عليهم بدءا من علي بن أبي طالب وصولا إلى الحجة المهدي عجل الله فرجه الشريف و أن ادعاء الإمامة هي جريمة لا تغتفر أيا كان مبررها و قد وردت الأخبار عن أئمة أهل البيت تشدد النكير على من يدعون لأنفسهم الإمامة أو يدعى لهم من دون حق:
1- روى النعماني في الغيبة عن أبي عبد الله ع في قوله تعالى (و يوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة) قال من زعم أنه إمام و ليس بإمام.
2- عن جعفر بن محمد ع أنه قال ثلاثة لا ينظر الله إليهم و لا يزكيهم و لهم عذاب أليم….. من زعم أنه إمام و ليس بإمام و من زعم في إمامِ حقٍ أنه ليس بإمام و هو إمام و من زعم أن لهما في الإسلام نصيبا.
3- عن أبي عبد الله (قال ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة و لا يزكيهم و لهم عذاب أليم من ادعى من الله إمامة ليست له و من جحد إماما من الله و من زعم أن لهما في الإسلام نصيبا.
4- عن أبي جعفر  محمد بن علي الباقر عليهما السلام أنه قال في تفسير قوله تعالى (و يوم القيامة ترى الذين كذبوا على ربهم وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) قال من زعم أنه إمام و ليس بإمام قلت و إن كان علويا فاطميا قال و إن كان علويا فاطميا.
5- عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر ع قال (كل راية ترفع قبل قيام القائم صاحبها طاغوت).
و من هنا تأتي أهمية التأمل في مدح أئمة أهل البيت عليهم السلام لثورة زيد الشهيد و وضعها في إطارها الصحيح كحركة مقاومة للظلم لم تحركها طموحات الزعامة الشخصية و النعرة القبلية التي تريد استبدال ملك أموي بملك هاشمي أو تسلط بتسلط و إنما كانت ثورته تمثل نهضة المظلومين و المستضعفين  في وجه الظالمين من ناهبي خيرات الشعوب المستئثرين بفيء المسلمين و قد قدمنا سابقا لبعض سياسات الاستغلال و الاحتكار التي انتهجها الخليفة الأموي البغيض هشام بن عبد الملك و انقلابه على عامله على الكوفة خالد بن عبد الله القسري حسدا له ما ناله من أموال كان يود أن تكون كلها في حجره و هكذا فلم تدم السلطة الأموية بعد الهبّة الزيدية الباسلة سوى بضع سنين لله الأمر فيها من قبل و من بعد.
مدح الإمام الصادق عليه السلام لزيد الشهيد:
عن عيص بن القاسم قال سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام يقول (عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له و انظروا لأنفسكم فو الله إن الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي فإذا وجد رجلا هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها و الله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرب بها ثم كانت الأخرى باقية يعمل على ما قد استبان لها و لكن له نفس واحدة إذا ذهبت فقد و الله ذهبت التوبة فأنتم أحق أن تختاروا لأنفسكم إن أتاكم آت منا فانظروا على أي شيء تخرجون؟؟ و لا تقولوا خرج زيد فإن زيدا كان عالما صدوقا و لم يدعكم إلى نفسه و إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد و لو ظهر لوفى بما دعاكم إليه إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه فالخارج منا إلى أي شيء يدعوكم؟؟ إلى الرضا من آل محمد فنحن نشهدكم أنا لسنا نرضى به و هو يعصينا اليوم و ليس معه أحد و هو إذا كانت الرايات و الألوية أجدر ألا يسمع منا إلا من اجتمعت بنو فاطمة معه فو الله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه…) الكافي.
إذا فالثابت أن زيدا رضوان الله عليه لم يكن يدعو لإمامته لأنه كان إماميا مواليا للأئمة من آل محمد عليه السلام و أن هذه الموالاة كانت من أسباب قيامه بما قام به ردا على ذلك الصفيق الذي أراد إهانته و إهانة أهل البيت عليهم السلام بقوله (ما صنع أخوك البقرة) و لعل من بين أسباب تلك الثورة هو ما اعتاد عليه النظام الأموي البغيض من إحداث الوقيعة بين أهل البيت عليهم السلام حول إدارة مواريثهم و كان واليه على المدينة يجمع أبناء الدوحة النبوية بين يديه من أجل الوقيعة بينهم و كان يحب لهم أن يتخاصموا و يتشاتموا و ليشمت بهم أهل المدينة و هو ما ذكره ابن جرير الطبري حتى أن زيدا رضوان الله عليه لما رأى ذلك قال له (أما و الله لقد جمعتنا لأمر ما كان أبو بكر و لا عمر ليجمعانا على مثله و إني أشهد الله ألا أنازعه إليك محقا و لا مبطلا ما كنت حيا ثم قال لابن عمه عبد الله انهض يا ابن عم فنهضا) ص 163 ج 7.
تحرك زيد بن علي
قال ابن جرير الطبري: لما أراد زيد بن علي الخروج أمر أصحابه بالتأهب و الاستعداد فبلغ الخبر إلى يوسف بن عمر فبعث في طلبه فلما لم يجده أخذ اثنين من أصحابه فتخوف زيد بن علي أن يؤخذ فتعجل قبل الأجل الذي جعله بينه و بين أهل الكوفة فاجتمعت إليه جماعة من رؤوس أهل الكوفة فقالوا رحمك الله ما تقول في أبي بكر و عمر فقال زيد رحمهما الله و غفر لهما ما سمعت أحدا من أهل بيتي يتبرأ منهما و لا يقول فيهما إلا خيرا قالوا فلم تطلب إذا بدم أهل هذا البيت إلا أن وثبا على سلطانكم فنزعاه من أيديكم فقال لهم زيد إن أشد ما أقول فيما ذكرتم أنا كنا أحق بسلطان رسول الله من الناس أجمعين و إن القوم استأثروا علينا ودفعونا عنه و لم يبلغ بذلك عندنا بهم كفرا قد ولوا فعدلوا في الناس و عملوا بالكتاب و السنة قالوا فلم يظلمك هؤلاء ! و إن كان أولئك لم يظلموك فلم تدعو لقتال قوم ليسوا لك بظالمين فقال و إن هؤلاء ليسوا كأولئك إن هؤلاء ظالمون لي و لأنفسهم و إنما ندعو إلى كتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه و آله و سلم و إلى السنن أن تحيا و إلى البدع أن تطفأ فإن أنتم أجبتمونا سعدتم و أن أنتم أبيتم فلست عليكم بوكيل ففارقوه و نكثوا بيعته فانصرفوا …. و سماهم زيد بالرافضة) تاريخ الطبري ج7 ص 181.
وقفة مع تلك المحاورة: احتلت تلك المحاورة حيزا هاما في كتب الفرق حيث ادعى من ادعى أنها كانت بداية نشأة ما سمي بالرافضة و المتأمل لتوقيت الحوار يلاحظ أنه جاء في اللحظات الحاسمة التي تلت إصدار الأمر بالتحرك و قبل بدأه فهل كانت تلك القضايا التاريخية غائبة عن الأذهان قبل تلك اللحظات التاريخية أم أن ضميرهم قد استيقظ فجأة خشية من دخول النار إن هم قاتلوا الأمويين الظلمة تحت لواء قائد لا يقدس الشيخين و لا يعتبرهما خير البشر!!… إذا فتوقيت تفجير القضية يدل على رغبة مسبقة في التملص من التحرك تحت لوائه رضوان الله عليه و الأهم من هذا الرغبة في إشعال جدل داخلي و تفجير قضية مختلف عليها فات أوان طرحها بعد أن سبق السيف العزل و بعد أن تواقف الفريقان تحت أسنة الرماح و كان من باب أولى مناقشة ما يريد كل فريق مناقشته في فترات التمهيد الأولى و على هذا فنحن لا نرى في تلك المناقشة موعدا أو دلالة على ميلاد فرقة عقائدية تسمى بالرافضة قدر كونها محاولة للإحراج من بعض المندسين أو أنها كانت محاولة للتملص أو النكوص عن بيعة قطعت و أعطيت أما إجابته رضوان الله عليه فمثلت إجابة عاقلة حصرت النزاع مع الشيخين في قضية الإمامة و هي لب المشكلة من دون سب و لا قذف و لا مهاترات و هو عين الحكمة الصواب تفويتا للفرصة و منعا لإشعال حريق يسعى أعداء المسلمين لإشعاله منعا للتقارب بينهم و خاصة عندما تشتد الأزمات.
تلك المحاورة التي جرى اختصارها بعد ذلك في كلمتين (أن زيدا رضوان الله عليه سؤل عن الشيخين فأثنى عليهما خيرا فرفضه الشيعة و سموا رافضة!!) كم هو سخيف ذلك التبسيط!!!.
نادى أصحاب زيد في الناس بشعارهم يا منصور أمت.. أمت يا منصور فلما أصبح زيد بن علي كان جميع من وافاه في تلك الليلة 218 رجل فقال زيد سبحان الله أين الناس فقيل له هم في المسجد الأعظم محصورون فقال لا و الله ما هذا لمن بايعنا بعذر و أقبل زيد بن علي و قد رأى خذلان الناس إياه فقال يا نصر بن خزيمة أتخاف أن يكون جعلوها حسينية فقال له جعلني الله لك الفداء أما أنا فو الله لأضربن معك بسيفي هذا حتى أموت ثم توجه إلى أصحابه المحصورين في المسجد يناديهم يا أهل المسجد اخرجوا و جعل نصر بن خزيمة يناديهم و يقول يا أهل الكوفة اخرجوا من الذل إلى العز اخرجوا إلى الدين و الدنيا فإنكم لستم في دين و لا دنيا ثم إن زيد بن علي هزمهم و قتل منهم أكثر من سبعين رجلا ثم انصرفوا و أرسل يوسف بم عمر في استدعاء رماة النبل فرموهم بالنبل و ثبت زيد بن علي و من معه حتى دخول الليل فرمي بسهم أصاب جانب جبهته اليسرى فنشبت في الدماغ فرجع و رجع أصحابه و جاءوا بطبيب فانتزع السهم من جبهته فوالله ما إن انتزعه حتى جعل يصيح ثم قضى رضوان الله عليه فقال القوم أين ندفنه و أين نواريه فقال البعض نلبسه درعه و نطرحه في الماء و قال البعض نحتز رأسه و نضعه بين القتلى فقال يحيى بن زيد لا و الله لا تأكل لحم أبي الكلاب فأشار البعض بدفنه في حفرة كانوا يأخذون منها الطين ثم إن القوم دلوا يوسف بن عمر على مكان الجسد الطاهر فأمر به فأخرج هو و نصر بن خزيمة فقطعت رأسه و أمر بصلبه بالكناسة و بعث بالرأس إلى هشام فأمر به فنصب على باب دمشق ثم أرسل إلى المدينة و مكث البدن مصلوبا حتى مات هشام ثم أمر به الوليد فأحرق.
قال أبو مخنف أنه مكث مصلوبا إلى أيام الوليد بن يزيد فلما ظهر يحيى بن زيد كتب الوليد إلى يوسف (أما بعد فإذا أتاك كتابي هذا فانظر عجل أهل العراق فاحرقه و انسفه في اليم نسفا و السلام فأمر به يوسف لعنه الله عند ذلك خراش بن حوشي فأنزله من جذعه فأحرقه بالنار ثم جعله في قواصر ثم حمله في سفينة ثم ذراه في الفرات) مقاتل الطالبيين ص 144.
ثم صعد يوسف بن عمر منبر الكوفة خطيبا فقال (يا أهل المدرة الخبيثة  إني و الله ما تقرن بي الصعبة و لا يقعقع لي بالشنآن و لا أخوف بالذنب هيهات حبيت بالساعد الأشد أبشروا يا أهل الكوفة بالصغار و الهوان لا عطاء لكم عندنا و لا رزق و لقد هممت أن أخرب بلادكم و دوركم و أحرمكم أموالكم أما و الله ما علوت منبري إلا أسمعتكم ما تكرهون عليه فإنكم أهل بغي و خلاف ما منكم إلا من حارب الله و رسوله إلا حكيم بن شريك المحاربي و لقد سألت أمير المؤمنين أن يأذن لي فيكم و لو أذن لقتلت مقاتلتكم و سبيت ذراريكم) الطبري ج7 ص 191.
كان استشهاد زيد بن علي رضوان الله عليه على يد هؤلاء الأوباش هو الضربة القاصمة التي عجلت بنهاية بني أمية لعنة الله عليهم و على كل من سار على نهجهم الإجرامي إلى يوم الدين حيث يقول اليعقوبي في تاريخه ص 326 ج2 (و لما قتل زيد تحركت الشيعة بخراسان و ظهر أمرهم و كثر من يأتيهم و يميل إليهم و جعلوا يذكرون للناس أفعال بني أمية و ما نالوا من آل رسول الله حتى لم يبق بلد إلا فشا فيه هذا الخبر و ظهرت الدعاة و رؤيت المنامات و تدورست كتب الملاحم).
و ما أشبه الليلة بالبارحة!!.
إذا فصدق الإمام الصادق عليه السلام حينما وصف تحركه رضوان الله عليه بقوله (إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه)…. لقد كان النظام الأموي حالة مبالغة في شذوذها و عتوها بل كان هو النموذج المؤسس لكل النظم الطاغوتية الجائرة التي تسلطت على رقاب المسلمين من يومها و حتى الآن… كان هو النظام المؤسس لأيديولجية القمع و القهر و السلب و النهب التي استترت بالدين و اسم الخلافة الإسلامية لترتكب في حق المسلمين آلاف الجرائم و الأهوال التي لا يمكن لبحار العالم أن تغسلها أو تمحوها و حينما نتحدث عن أيديولوجية فنحن نعني ما نقول فمن أين جاء اللاحقون بهذا الشكل التسلطي الذي لا شبيه له في غير عالمنا الإسلامي؟؟؟.
و من هنا تأتي الأهمية البالغة للمقاومة التي قادها الأئمة من أهل البيت عليهم السلام و بقية رموز المدرسة العلوية الطاهرة تلك المقاومة التي واجهت الأموية التسلطية الجائرة في اتجاهين:
1- اتجاه واقعي يتمثل في النضال و الكفاح المسلح في مواجهة نظام لا يفهم سوى لغة القوة.
2- و مواجهة أدبية و معنوية لا تقل أهمية عن المواجهة المادية بل و تتداخل معها في الوسائل لإسقاط شرعية ذلك النظام الجائر و تعريته أمام الجماهير و الأهم من هذا كله الحيلولة دون استمراره و تحوله إلى نموذج ملهم لكل الطغاة و المستبدين من بعده.
و قد تحقق هذان الهدفان عبر المواجهة المستمرة لهؤلاء المجرمين مواجهة معنوية سياسية و مواجهة بالقوة و السلاح لم يكن منها مفر و لا بد.
إننا نتحدث الآن عن هذه الحركات و قد أصبحنا في عصر امتلأ بالجماعات التي لا تكف عن الحديث عن التغيير و التي تزعم كلها أنها الممثل الشرعي و الوحيد للإسلام و المسلمين و انطلاقها من الفهم الشامل الكامل للدين و سعيها لإقامة الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة الإسلامية و تحكم بما أنزل الله هكذا من دون أن تكلف نفسها قراءة التاريخ و دراسة واقع الأمة الذي أدى إلى ظهور تلك الحركات و أنى يمكن العثور على نموذج يُقتدى به إذا أصر الباحثون على تجاهل تاريخ الشيعة الذي يمثل القلب من تاريخ الإسلام و المسلمين.
الآن و قد اقتربنا من نهاية هذه الدراسة يمكننا أن نلخص أهم معالم الثورات الشيعية فيما يلي:
• اعتمادها إمامة أهل البيت عليهم السلام كقيادة شرعية وحيدة للأمة الإسلامية.
• أن القيادة المباشرة للحركة لا تعني بالضرورة قيادة الأمة و القيادة الميدانية تؤدي مهمة واضحة و محددة و لو كانت مهمة استشهادية.
• أن هذه الحركات شكلت جزءا من سياق استراتيجي طويل بدأت أولى حلقاته ببعثة النبي محمد صلى الله عليه و آله و سلم و لا ينتهي إلا بظهور المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف.
• أن هذه الحركات في سعيها لتحقيق أهدافها سواء كانت أهدافا تكتيكية أو استراتيجية لم تنطلق من خلفية تكفيرية أو من فرضية ارتداد أبناء المجتمع إلى غير ذلك من الشعارات البائسة التي أطلقتها بعض الحركات الإسلامية و التي كانت سببا في توسيع مساحة الكارثة التي يعاني منها العالم الإسلامي بل اعتمدت شعارات محددة مثل (جهاد الظالمين و الدفع عن المستضعفين و إعطاء المحرومين و قسم هذا الفيء بين أهله بالسواء) بعيدا عن الشعارات المبهمة التي لا يدري أحد ماذا يقصد بها.
• أن لجوء الشيعة (للتنظيم) أو إلى العمل السري كان حالة استثنائية تمليها ضرورات العمل المسلح المفروض لا ضرورات الحياة اليومية على عكس التنظيمات الإسلامية التي تكاثرت في ساحتنا في هذا العصر.
• أن الأئمة من آل محمد لم يكن بإمكانهم قيادة هذه الحركات بصورة مباشرة في كل الحالات مثل ثورة الإمام الحسين عليه السلام فقد ألجأتهم الظروف السياسية السائدة آنئذ لإيكال القيادة لغيرهم و متابعتها بصورة غير مباشرة و قد برز هذا واضحا في ثورة المختار بن أبي عبيد حيث كان الإشراف و التوجيه من قبل محمد بن علي (ابن الحنفية) و ثورة زيد بن علي رضوان الله عليه مما أدى في كثير من الحالات لإثارة لغط حول انتماء هؤلاء لخط الإمامة بل و اتهامهم بالانحراف العقائدي و هو ما تورط فيه بعض المنتمين لخط أهل البيت عليهم السلام من دون أن يمارسوا ما يكفي من التدقيق و التمحيص مما يبرز الحاجة الملحة لإعادة قراءة التاريخ الإسلامي و إعادة تقييم الحركات الثورية و هو أمر يشتد الحاجة إليه في هذا العصر و هو جهد نعتقد أنه لم يحظ بعد بالاهتمام الكافي من الباحثين المهتمين بمنهج أهل بيت العصمة و النبوة.
• ضرورة التمييز بين الحركات الموالية لأهل البيت ع و الحركات الخوارجية و تلك السلطوية مثل حركة عبد الله بن الزبير الذي لم يكن له من هم إلا الاستيلاء على السلطة و إعلان نفسه خليفة للمسلمين و هو لا يبالي أي جرم ارتكب في سعيه هذا سواء بجمعه لعترة رسول الله ص و تهديده بإحراقهم ذلك التهديد الذي لم يمنعه من تنفيذه إلا المختار بن أبي عبيد و رجاله الأبطال الذين وقفوا حائلا بين ابن الزبير و بين ارتكاب هذا العمل الإجرامي. أما عن الخوارج القدامى و المعاصرين و نزوعهم التكفيري الدموي و سفكهم لدماء المسلمين بلا ضابط و لا رابط فحدث و لا حرج و من هنا تميز أتباع أهل البيت بالانضباط الأخلاقي و الترفع عن استمراء سفك الدماء بغير حق.
الشعراء يرثون زيدا
روى ابن جرير الطبري كان خراش بن حوشب على شرطة يوسف بن عمر فهو الذي نبش زيدا و صلبه فقال الشاعر (السيد الحميري) يهجوه
بت ليلي مسهدا       ساهر الطرف مقصدا
و لقد قلت قولة                 و أطلت التبلدا
لعن الله حوشبا               و خراشا و مزيدا
و يزيدا فإنه                   كان أعتى و أعندا
ألفَ ألفٍ و ألف                من اللعن سرمدا
إنهم حاربوا الإلــــ            ـــه و آذوا محمدا
شركوا في دم المطهر                 زيد تعندا
ثم عالوه فوق جذع                صريعا مجردا
يا خراش بن حوشب  أنت أشقى الورى غدا
(ذكر من عرف ممن خرجوا مع زيد بن علي من أهل العلم و نقلة الآثار):
تحت هذا العنوان كتب أبو الفرج الأصفهاني فصلا في كتابه (مقاتل الطالبيين) عدد فيه أسماء العلماء المشهورين الذين خرجوا مع زيد بن علي رضوان الله عليه و منهم:
1- منصور بن المعتمر قال (أبطأ منصور عن زيد لما بعثه يدعو إليه فقتل زيد و منصور غائب عنه فصام سنة يرجو أن يكفر عن تأخره ثم خرج بعد ذلك مع معاوية بن عبد الله بن جعفر).
2- يزيد بن أبي زياد مولى بني هاشم صاحب عبد الرحمن بن أبي ليلى كان داعية زيد بالرقة.
3- أبو حنيفة النعمان: قال أبو حنيفة من يأتي زيدا في هذا الشأن من فقهاء الناس؟ قال قلت سليمة بن كهيل و يزيد بن أبي زياد و هارون بن سعد و هاشم بن البريد و أبو هاشم الرماني و الحجاج بن دينار و غيرهم فقال لي قل لزيد لك عندي معونة و قوة على جهاد عدوك فاستعن بها أنت و أصحابك في الكراع و السلاح ثم بعث ذلك معي إلى زيد فأخذه زيد.
4- الأعمش (إني لجالس عند الأعمش أنا و عمرو بن سعيد أخو سفيان بن سعيد الثوري إذ جاءنا عثمان بن عمير أبو اليقظان فجلس إلى الأعمش فقال أخلنا فإن لنا إليك حاجة فقال و ما خطبكم هذا شريك و هذا عمرو بن سعيد أذكر حاجتك فقال أرسلني إليك زيد بن علي أدعوك إلى نصرته و الجهاد معه و هو من عرفت قال أجل ما أعرفني بفضله أقرئاه مني السلام و قولا له يقول لك الأعمش لست أثق لك جعلت فداك في الناس و لو أنا وجدنا لك ثلاثمائة رجل أثق بهم لغيرنا لك جوانبها.
استشهاد يحيى بن زيد بن علي
(نحن قوم كتب القتل و القتال علينا و على المحصنات جر الذيول) !! كان هذا هو حال أهل بيت العصمة و النبوة عليهم السلام مع أمة لا إله إلا الله و نكمل الآن ما قدمه أهل البيت من تضحيات من أجل إنقاذ هذه الأمة من الذل و العبودية تلك الأمة التي لم تكافئهم و لم تجازيهم إلا أسوأ الجزاء.
خرج يحيى بن زيد هاربا من البطش الأموي على يد هشام بن عبد الملك ذلك الطاغية الجبار الذي لقي حتفه عام 125 بعد أن أصابته الذبحة الصدرية فهلك قال ابن جرير الطبري (فلما مات أغلق الخزان الأبواب فطلبوا قمقما يسخن فيه الماء لغسله فما وجدوه حتى استعاروا قمقما من بعض الجيران و قال بعض من حضر إن في ذلك لعبرة لمعتبر) و ولي الخلافة من بعده الوليد بن يزيد بن عبد الملك و كان مشهورا بالفسق و الفجور و معاقرة الخمور و كما يروي ابن جرير الطبري ج7 ص 209(و اتخذ الوليد ندماء فأراد هشام أن يقطعهم عنه فولاه الحج سنة تسع عشرة و مائة فحمل معه كلابا في صناديق فسقط منه صندوق فأجالوا على الكري السياط فأوجعوه ضربا و حمل معه قبة عملها على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة و حمل معه خمرا و أراد أن ينصب القبة على الكعبة و يجلس فيها فخوفه أصحابه و قالوا لا تأمن عليك الناس و لا علينا فلم يحركها و ظهر للناس منه تهاون بالدين و استخفاف به و تمادى الوليد في الشراب و طلب اللذات فأفرط فقال له هشام و يحك يا وليد ما أدري على الإسلام أنت أم لا ما تدع شيئا من المنكر إلا أتيته غير متحاش و لا مستتر ؟؟!! فكتب إليه الوليد:

أيها السائل عن ديننا   نحن على دين أبي شاكر

نشربها صرفا و ممزوجة   بالسخن أحيانا و بالفاتر

فغضب هشام على ابنه مسلمة و كان يكنى أبا شاكر و قال له يعيرني بك الوليد و أنا أرشحك للخلافة !!؟؟ فالزم الأدب و احضر الجماعة.
لم يكن هذا هو السبب الوحيد للصراع الدائر بين هشام بن عبد الملك و ابن شقيقه الوليد بن يزيد بن عبد الملك فالسبب الحقيقي و الرئيس كان الصراع على السلطة بينهما فالوليد كان يعتقد أن الخلافة كان ينبغي أن تؤول إليه وراثة عن أبيه و أنه انحرفت عن مسارها الطبيعي عندما آلت للعم هشام نظرا لصغر سنه آنئذ بينما كان هشام يريد أن يورثها لأحد أبنائه الفساق هم أيضا بالفطرة الأموية و هكذا فعندما آلت الخلافة ليزيد كان البيت الأموي يغلي بالصراع و النزاع بين الفرقاء خاصة مع ما عرف عن هشام من البخل و التقتير في الإنفاق فكرهه فساق بني أمية الذين أرادوا أن يرتعوا و يلعبوا و يتنعموا بما انتهبوه من أموال المسلمين و هذا هو حال أهل الدنيا فاعتبروا يا أولي الألباب.
و هكذا فعندما احتضر هشام و صار في حد لا ترجى الحياة لمثله أرسل عياض إلى الخزان (أحد الموالين للوليد) أن احتفظوا بما في أيديكم فلا يصلن أحد منه إلى شيء و أفاق هشام إفاقة فطلب شيئا فمنعوه فقال (أي هشام) أرانا كنا خزانا للوليد و جاء عياض فختم أبواب الخزائن و أمر بهشام فأنزل عن فرشه (!!) فما وجدوا له قمقما يسخن فيه الماء حتى استعاروه و لا وجدوا كفنا من الخزائن فكفنه غالب مولى هشام فكتب الوليد إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان أن يأتي الرصافة فيحصي ما فيها من أموال هشام و ولده و يأخذ عمال هشام و حشمه إلا مسلمة بن هشام فلا يعرض له لأنه كان يكلم أبيه في الرفق به و كتب إلى الوليد بأخذ بني هشام و حشمه و إحصاء أموال هشام فقال الوليد:

ليت هشاما عاش حتى يرى   مكياله الأوفر قد طبعا
كِلناه بالصاع الذي كاله           و ما ظلمناه به أصبعا

و ما أتيناه ذاك عن بدعة      أحله الفرقان لي أجمعا

أنها نهاية لائقة بقتلة أهل البيت عليهم لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين.
مقتل يحيى بن زيد:  
روى أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين قال (خرج يحيى بن زيد إلى المدائن و هي إذ ذاك طريق الناس إلى خراسان و بلغ ذلك يوسف بن عمر فسرح في طلبه حريث بن أبي الجهم الكلبي فورد المدائن و قد فاته يحيى و مضى حتى أتى الري حتى نزل على الحريش بن عبد الله الشيباني فأخذه نصر بن سيار عامل بني أمية على الري (الآن ضاحية من ضواحي طهران) فعذبه أشد العذاب ليدله على يحيى فقال لهم و الله لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه فاصنع ما أنت صانع فوثب ابنه قائلا لا تقتل أبي و أنا آتيك بيحيى فدلهم عليه فأخذوه فحبس و قيدوه في سلسلة حتى جاء كتاب الوليد بإطلاق سراحه إلى نصر بن سيار فدعا بيحيى و أمره بتقوى الله و حذره الفتنة فقال له يحيى (و هل في أمة محمد فتنة أعظم مما أنتم فيه من سفك الدماء و أخذ ما لستم له بأهل؟؟) فلم يجبه نصر بشيء و أمر له بألفي درهم و نعلين و تقدم إليه أن يلحق بالوليد فخرج يحيى حتى قدم سرخس و عليها عبد الله بن قيس بن عباد البكري فكتب إليه نصر ليخرج يحيى عن سرخس قائلا إذا قدم عليك يحيى فلا تدعه يقيم ساعة  و أرسله إلى عمرو بن زرارة بأبرشهر ففعلوا ذلك و وكل به سرحان بن نوح العنبري فذكر يحيى نصر بن سيار فطعن عليه و ذكر يوسف بن عمر فعرض به و قال أنه يخاف غيلته قال ثم أتى عمرو بن زرارة بأبرشهر فأعطى يحيى ألف درهم نفقة له ثم أشخصه إلى بيهق فأقبل يحيى من بيهق و هي في أقاصي خراسان و معه سبعين رجلا راجعا إلى عمرو بن زرارة و قد اشترى دواب و حمل عليها أصحابه فأرسل نصر بن سيار عشرة آلاف رجل لمقاتلة يحيى بن زيد و خرج رضوان الله عليه إليهم و ما معه إلا سبعين فارسا فقاتلهم يحيى حتى هزمهم و قتل عمرو بن زرارة و استباح عسكره و أصاب منه دواب كثيرة ثم أقبل حتى مر بهرات (مدينة في شرق أفغانستان بالقرب من إيران) وبها عامل لنصر بن سيار فلم يعرض له حتى نزل الجوزجان فأرسل إليه سلم بن أحور في ثمانية آلاف فارس من أهل الشام و غيرهم فاقتتلوا ثلاثة أيام و لياليها أشد القتال حتى قتل أصحاب يحيى كلهم و أتت يحيى نشابة (أي رمح طويل) في جبهته فقتل رحمة الله عليه و احتزوا رأسه و سلبوا ثيابه فبقيا بعد ذلك حتى أدركهما أبو مسلم الخراساني فقطع أيديهما و أرجلهما و قتلهما و صلبهما.
ثم صلب يحيى رضوان الله عليه على باب مدينة الجوزجان في وقت قتله و بعث نصر بن سيار برأسه إلى الوليد بن يزيد عليهم لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين.
بين التاريخ و السنة و ابن شهاب الزهري:
يعتقد الكثير من المسلمين البسطاء أنهم (أهل سنة) لأنهم يعتقدون بصحة كل ما ورد فيما يسمونه بكتب السنة ؟؟ البخاري و مسلم و غيرها و جهل هؤلاء أن السنة في معناها الأصيل هي منهج رسول الله صلى الله عليه و آله و تطبيقه للنص الديني و أن هذه السنة اللفظية المنسوبة إليه صلى الله عليه و آله قد لا تمتلك ذلك القدر من الشرعية من دون الفرز الدقيق بين الغث و السمين و الصحيح و المكذوب و قد رسمت هذه الكتب صورة زاهية لذلك العصر و لم تأت على ذكر أي من المصائب و المآسي التي تعرضت لها أمة محمد على أيدي فراعنة بني أمية الذين وصفهم الشاعر الرسالي العظيم الكميت بن زيد الأسدي بقوله:
ساسة لا كمن يرعى الناس        سواء و رعية الأنعام

لا كعبد المليك أو كوليدٍ أو        كسليمان بعد أو كهشام

رأيه فيهم كرأي ذوي الثلة       في الثائجات جنح الظلام

جز ذي الصوف و انتقاء ذي     المخة نعقا و دعدعا بالبهام

من يمت لا يمت فقيدا و        من يحيي فلا ذو إل أو ذمام

و من بين هؤلاء الأستاذ الأزهري الذي كتب في بريد الأهرام يزعم أن العباسيين هم من شوه تاريخ بني أمية عندما قرأ في نفس الجريدة تعقيبا من الكاتب أنيس منصور يصف عامل بني أمية على مصر (قرة بن شريك) بالظلم و الإجرام و دونكم ردنا الذي أرسلناه إلى الأهرام تحت عنوان (بنو أمية المفترى عليهم) فلم ينشره بالطبع: (من حق الأمويين أن يطالبوا بتعويض يقدر بعدة مليارات من الدولارات بسبب الأضرار المادية و الأدبية التي لحقت بهم نتيجة اضطرارهم لقتل الحسين بن علي و سبعين من أهل بيته ثم اضطرارهم لقتل حجر بن عدي الكندي الصحابي الجليل و ستة من أصحابه الكرام فضلا عن اضطرارهم لقتل عدة آلاف من الصحابة و التابعين من أهل المدينة المنورة في واقعة الحرة و نتيجة لاضطرارهم لقصف بعض الأهداف المدنية و هدمها التي احتمى بها الإرهابيون المعارضون مثل ذلك الشيء الذي يسميه المسلمون بالكعبة المشرفة ووو  مما أدى إلى إطلاق الشيعة بعض الأكاذيب عليهم حفظهم الله و هم المبرؤن من كل عيب أي بني أمية بالطبع)....
هذا هو جوهر ما قاله هذا الدكتور في بريد الأهرام بتاريخ السادس من أكتوبر 2002 في معرض رده على من اعتبرهم مطلقي الإشاعات على المدعو قرة بن شريك الذي لم يكن من وجهة نظره ظالما و لم يكن يضرب الناس بالكرباج و قد استند الأستاذ الدكتور في نفيه الحاسم لما أطلق على قرة بن شريك إلى أن كتاب الولاة و القضاة للكندي لم يذكر شيئا من تلك الروايات و الواقع أن كتاب الولاة للكندي ذكر ما يلي (و خرج قرة إلى الإسكندرية فتعاقدت الشراة على قتله و كانت عدتهم نحو مائة و عقدوا لابن أبي المثنى عليهم عند منارة الإسكندرية و بالقرب منهم رجل يكنى أبا سليمان فأخبر قرة بما عزموا عليه فجمعهم و قتلهم) أما السبب في محاولة هؤلاء قتله فهو ما ورد في حاشية الكتاب (طبعة الهيئة العامة لقصور الثقافة و هي طبعة حديثة) قال أبو يونس (كان قرة بن شريك خليعا و كان من أظلم خلق الله و همت الأباضية بقتله و الفتك به و تبايعوا على ذلك فبلغه ذلك فقتلهم) ص 85 الكندي ط الهيئة العامة لقصور الثقافة.
و فات الأستاذ أن ما يسمونه بالصحاح قد جرت صياغتها هي الأخرى في عهد بني العباس و لكن المشكلة في تلفيق التاريخ تبدو أكثر صعوبة من وضع و تلفيق الأحاديث و الكذب على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم إذ أن كتابة التاريخ لها أركان تبدأ بالزمان و المكان و الأشخاص و تسلسل الأحداث و لهذا فإن إمكانية الوضع و التلفيق تبقى محكومة بالإطار العام للأحداث بخلاف الوضع و التلفيق و الكذب على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم حيث تمكن شخص واحد كان يعمل في البلاط الأموي من وضع عدة آلاف من الأحاديث المنسوبة لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم زورا و بهتانا من دون أن يكون مضطرا و لو لمرة واحدة أن يقول متى أو أين لا يهم فمرة في بستان و مرة إذ نحن جلوس و مرة ثالثة في حائط و مرة رابعة في الصحراء و مرة خامسة في الفضاء و مرة سادسة يروي أحاديث عن موت أبي طالب رضوان الله عليه كافرا و هو الذي لم يسلم إلا بعد هذا الحدث بأكثر من عشر سنين فليس مهما أن تذكر الزمان أو المكان أو شهود الواقعة المهم أن يصدقك أو يصدق على كلامك ابن شهاب الزهري القابع هو الآخر في بلاط بني أمية ينادم هشام بن عبد الملك لا يعرف معروفا و لا ينكر منكرا و يظهر بمظهر المسلم الورع الذي يجيد الترحم على شهداء أهل البيت فكلما جيء برأس أحد شهداء أهل البيت عليهم السلام مص شفتيه قائلا (أهلك أهل هذا البيت العجلة) كما يحكي عنه صاحب مقاتل الطالبيين و الكارثة أن هؤلاء البسطاء يعتقدون أن ابن شهاب هذا كان قديسا متفرغا للعبادة و العلم و التنقيح و التصحيح بينما يروي لنا ابن جرير الطبري في تاريخه ج7 ص 253 عن ابن أبي الزناد قال (كنت عند هشام و عنده الزُهري فذكرا الوليد فتنقصاه و عاباه عيبا شديدا و لم أعرض في شيء مما كان فيه فاستأذن الوليد "ولي العهد" فأذن له و أنا أعرف الغضب في وجهه فجلس قليلا ثم قام فلما مات هشام ذهبت إليه فرحب بي و قال لي كيف حالك يا ابن ذكوان ثم قال أتذكر يوم الأحول "هشام" و عنده الفاسق الزهري و هما يعيبانني قلت أذكر ذلك فلم أعرض في شيء مما كانا فيه قال صدقت أرأيت الغلام الذي كان قائما على رأس هشام قلت نعم قال لقد نَّم لي بكل ما قالا و أيم الله لو بقي الفاسق يعني الزهري لقتلته) أما ابن المغازلي الشافعي فيروي عن معمر عن الزهري عن عكرمة عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ص إن الله عز و جل منع بني إسرائيل قطر السماء بسوء رأيهم في أنبيائهم و اختلافهم في دينهم و إنه آخذ هذه الأمة بالسنين و مانعهم قطر السماء ببغضهم علي بن أبي طالب عليه السلام…  قال معمر حدثني الزهري هذا الحديث في مرضة مرضها و لم أسمعه يحدث عن عكرمة قبلها و لا بعدها فلما شفي من مرضه ندم على ما أدلى به فقال لي يا يماني اكتم هذا الحديث و اطوه عني فإن هؤلاء يعني بني أمية لا يعذرون أحدا في تقريظ علي و ذكره قلت فما بالك أوعبت مع القوم يا أبا بكر و قد سمعت ما سمعت؟؟ قال حسبك يا هذا إنهم شركونا في لهاهم فانحططنا لهم في أهوائهم!!!!.
ابن شهاب الزهري و حديث شد الرحال: نموذج للالتباس الذي يحدثه وضع النص الديني في خدمة الهدف السياسي.
روى اليعقوبي في تاريخه ج2 ص 261 قال (و منع عبد الملك بن مروان أهل الشام من الحج و ذلك أن ابن الزبير كان يأخذهم إذا حجوا بالبيعة فلما رأى عبد الملك ذلك منعهم من الخروج إلى مكة فضج الناس و قالوا تمنعنا من حج بيت الله الحرام و هو فرض من الله علينا فقال لهم هذا ابن شهاب الزهري يحدثكم أن رسول الله ص قال لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام و مسجدي و مسجد بيت المقدس و هو يقوم لكم مقام المسجد الحرام و هذه الصخرة التي يروي أن رسول الله وضع قدمه عليها لما صعد إلى السماء تقوم لكم مقام الكعبة فبنى على الصخرة قبة و علق عليها ستور الديباج و أقام لها سدنة و أخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة و أقام بذلك أيام بني أمية) و لا تعليق…
و لذا و بالرغم من محاولات الدس في كل المجالات تحسينا لصورة بني أمية (أي أن مقاولات تحسين الصورة لم تظهر في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر) و تشويها للمقاومين الأطهار و طمسا لمعالم النبوة الحقيقية فلم يفلح هؤلاء في إحداث التشوهات المطلوبة في كتب التاريخ و بقيت نجاحاتهم التلفيقية في مجال التاريخ متواضعة لا تفي بالمطلوب كله!!.
ومن هنا فإن قراءة التاريخ تعينك على تكوين صورة أقرب إلى الحقيقة لا تبعد كثيرا عن الصواب وهو ما يستطيع أي عالم منصف من علماء التاريخ أن يقوم به وبالتالي فإن تاريخ الطبري وغيره من كتب التاريخ التي استندنا إليها مثل مقاتل الطالبيين وتاريخ اليعقوبي تكشف الوجه الآخر للحقيقة التي لا يمكن لك أن تعثر عليها من المصادر الأخرى التي اعتمدت المنطق التفكيكي؟
ولاية الوليد بن يزيد … نهاية ملك بني أمية:
ما أقرب الشبه بين قراءة نهاية التاريخ الإجرامي لبني أمية وختام الأفلام الدرامية المثيرة التي تنتهي بانتصار الخير على الشر وما أمتع قراءة تلك النهاية التي يسقط فيها المجرم بسيارته محترقا من قمة جبل إلى قاع البحر أو إلى أسفل جبل آخر وشتان ما بين مجموعة من الأحداث المفتعلة لشخصيات وكيانات وهمية وأحداث حقيقية لرموز الشر الإنساني المتكامل الذين ما زلنا نعيش في إطار ما ارتكبوه من جرائم و هناك الملايين من الصم العمي البكم الذين يسيرون على دربهم من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
النهاية:
يقول الطبري في تأريخه لأحداث عام 125 ج7 ص 231 تلك السنوات الأخيرة من ملك فراعنة بني أمية:
(من ذلك ما كان من قتل يزيد بن الوليد الذي يقال له الوليد الناقص… قد ذكرنا بعض أمر الوليد بن يزيد و خلاعته و مجونه و ما ذكر عنه من تهاونه و استخفافه بأمر دينه قبل خلافته و بعدها فقد ازداد ما كان فيه من اللهو و اللذة و الركوب و الصيد و شرب النبيذ و منادمة الفساق تماديا و إجراما فثقل ذلك على رعيته و جنده و كان من أعظم ما جنى على نفسه حتى أورثه ذلك هلاكه  إفساده بني عميه بني هشام و ولد الوليد ابني عبد الملك بن مروان مع إفساده على نفسه اليمانية و هم عظم جند أهل الشام)
قال ابن جرير (واشتد على بني هشام فضرب سليمان بن هشام مائة سوط وحلق رأسه ولحيته وغربه إلى عمان فحبسه بها فلم يزل محبوسا حتى قتل الوليد وأخذ جارية كانت لآل الوليد فكلمه عمرو بن الوليد فيها فقال لا أردها فقال إذا تكثر الصواهل حول عسكرك و أراد البيعة لابنيه الحكم و عثمان فشاور سعيد بن بهيس بن صهيب فقال له لا تفعل فغضب و حبسه حتى مات في الحبس و قال عمرو بن سعيد الثقفي أوفدني يوسف بن عمر إلى الوليد فلما قدمت قال لي كيف رأيت الفاسق يعني بالفاسق الوليد و رماه الناس بالكفر و غشيان أمهات أولاد أبيه فكان أن تحرك أحد بني أمية هو يزيد بن الوليد الذي سماه الناس بعد ذلك بيزيد الناقص لأنه حرمهم من زيادة الأعطيات التي قررها لهم الوليد الفاسق و نجح في الإطاحة بابن عمه و قتله و احتلال عرش الفجور و الخيانة عرش فراعنة العرب و لكن هيهات هيهات فقد كانت دولة الباطل توشك على نهايتها و كانت تلك الصراعات هي الشرارة التي عجلت بانهيار دولة الفراعنة الأموية.
و هكذا فقد تحالفت الأسباب و الأقدار و الثوار ليضعوا نهاية للملك الأموي العضوض و اشتعلت الثورات في كل مكان و تركنا بعضهم يموج في بعض كما قال الخالق عز و جل أي أشعل بينهم الفتن و الاضطراب ليأتي شر يوم لبني أمية و يزول الملك من أيديهم بعد العلو و التمكين و بعد أن ساروا على نهج عاد إرم ذات العماد و فرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد حتى جاءهم يومهم الذي يوعدون فصب الله عليهم سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد لهم و لكل من سار على نهجهم و استن بسنتهم إلى يوم الدين فلم ينتهي العقد الثالث من القرن الهجري الثاني حتى كانت الدولة الأموية أثرا بعد عين دولة أسقطتها الأقدار و الثوار لأن التاريخ علمنا أن لا شيء يسقط بالأماني و لا من تلقاء نفسه و أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم و سلام على محمد و آل محمد و سلام على علي و على الحسن بن علي و على الحسين بن علي سيد الشهداء و سيد شباب أهل الجنة و على علي بن الحسين السجاد زين العابدين و محمد بن علي باقر علم رسول الله ص و جعفر بن محمد الصادق  و موسى بن جعفر كاظم الغيظ الصابر و المحتسب شهيد سجون الجبابرة و الطغاة و علي بن موسى الرضا و محمد بن علي الجواد و علي بن محمد الهادي النقي و الحسن بن علي العسكري و محمد بن الحسن العسكري صاحب الزمان و مظهر الإيمان و ناشر العدل في الطول و العرض و الحجة على الورى و سلام على الأوفياء الأتقياء زيد بن علي و المختار بن أبي عبيد و سليمان بن صرد و المسيب بن نجبة و مسلم بن عقيل و يحيى بن زيد و السائرين على دربهم درب الأحرار درب الأقلين عددا الأعظمين عند الله قدرا الذين اختارهم الله ليظهر بهم حججه و بيناته إلى أن يرث الله الأرض و من عليها.
دكتور أحمد راسم النفيس
ديسمبر 2002.
شوال 1423.
المنصورة مصر
ميدان الطميهي برج الحجاز
هاتف نقال 0020123913029.
منزل وفاكس 0020502244839.
عيادة 0020502222910.

 

 

 

 

 

 

المؤلفات الفكرية:
1- الطريق إلى مذهب أهل البيت. طبع
2- رحلتي مع الشيعة والتشيع في مصر. طبع
3- على خطى الحسين. طبع
4- المهدي المنتظر و معركة تحرير القدس. طبع
5- الشيعة و الثورة (ما بعد استشهاد الإمام الحسين). طبع
6- الجمل و فقه الطابور الخامس. مخطوط
7- التحكيم – قراءة في الفقه التاريخي للأمة الإسلامية. طبع
8- الجماعات الإسلامية – محاولة استمساخ الأمة الإسلامية.
9- من أسس لثقافة العنف. تحت الطبع
10- المصريون والتشيع الممنوع (طبع).
11- شرح دعاء السَحَر لأبي حمزة الثمالي مخطوط.
12- علي بن أبي طالب و أخلاقيات السياسة مخطوط.
13- المسلمون و الآخر مخطوط.
14- رسالة من أب لابنه (رسالة تربوية) مخطوط
15- علي بن أبي طالب و العدالة الاجتماعية (مؤتمر الإمام علي بن أبي طالب طهران مارس 2001).
16- الزهراء سيدة نساء العالمين.
17- الشيعة والثورة الجزء الثاني.
18- الشيعة في العراق. طبع في مصر.
19- مقالات في الفكر والدين والسياسة.
20- القرضاوي (وكيل الله أم وكيل بني أمية؟؟!!) ردا على كتابه تاريخنا المفترى عليه.
21- حقيقة التشيع.
22- فقه التغيير- دراسة مقارنة بين السيد محمد باقر الحكيم و سيد قطب. مقال منشور في مجلة المنهاج.
23- الشهيد الصدر و دينامية الصراع الاجتماعي (مؤتمر الذكرى العشرين لاستشهاد السيد محمد باقر الصدر طهران يناير 2001).
24- هل حقا أن ابن خلدون هو أول من أسس علم الاجتماع والعمران؟؟.
بالإضافة إلى عشرات المقالات السياسية و الفكرية المنشورة في جريدة القاهرة القاهرية و مجلة البداية وجريدة نهضة مصر وصوت الأمة فضلا عن المقالات العلمية المنشورة بمجلة العربي الكويتية وآخرها (ساعة الأعمار) نوفمبر 2003 (أبناؤنا قاماتهم وقوامهم) مايو 2003 السكر المر يناير 2004 (مشكلة تأخر البلوغ عند المراهقين).


4,580 مشاهدة الرابط المختصر

التعليقات (1)

سيد حسنيمأجورين ان شاء الله
منذ 9 أشهر


Advanced Web Core

جميع الحقوق محفوظة © 2014 - النفيس