ننشر دراسة "المهدي المنتظر والربيع العربي2" للدكتور أحمد راسم النفيس

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

يقول تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) يونس 39.

نفهم أن يقف الغرب خاصة جناحه البروتستانتي المتصهين موقف العداء من الإسلام عامة ومن المهدي المنتظر خاصة إلا أننا لا نفهم ولا نرى مبررا منطقيا لاعتماد ما يسمى بالتيار السلفي الوهابي ذات الموقف العدائي من المهدوية.

ليت الأمر اقتصر على الخلاف النظري والفكري، فها نحن نرى بأم أعيننا أن هذا التيار أصبح الآن أداة أساسية في الحروب التي يشنها الغرب المتصهين على الحراك المهدوي في المنطقة وأنه يقدم تضحيات ضخمة وهائلة من دماء المنتمين إليه دون أن يرف له جفن أو تهتز له شعرة وأن هذا التيار يدور في فلك الخطط السياسية للغرب ويسعى لتحقيق أهدافه بل لقد وصل الأمر لحد أنهذا التيار أصبح بديلا يقاتل نيابة عنهم ويغنيهم عن إرسال جنودهم لساحات المعارك ليبقى لهم القسط الأكبر من الغنمبتكاليف الحد الأدنى: إرسال الأسلحة ووسائل الاتصال والجهد الاستخباري وهي أشياء يقومون بها أصلا، حاربوا أم لم يحاربوا!!.

الآفة الكبرى التي ابتلي بها عالمنا الإسلامي تتلخص في أنصاف المثقفين المفتونين بمعارفهم المبتورة والمبتسرة والذين يرددون شعارات لا يعرفون مضمونها بدقة ويعيشون في مناطق لا يريدون ولا يرغبون في مغادرتها ويكررون ما ورد عن أسلافهم دون تدبر أو تحقيق ومن بين هذه الشعارات، شعار العلمانية أو فصل السياسة عن الدين رغم أن واقع الغرب الذين يرغبون في محاكاته والنسج على منواله أبعد ما يكون عن هذا الفصل المزعوم بين السياسة والدين!!.

هل حقا يفصل الغرب بين الدين والسياسة كما يتوهم البسطاء والسذج أم أن هذا الغرب يتصرف على الساحة الدولية انطلاقا من معتقداته الدينية ومن بينها التمهيد للألفية الثانية للمسيح فضلا عن مصالحه الدنيوية المادية أي أن دينهم وتصوراتهم ومعتقداتهم هي عين سياستهم كما أن هذا لا يتناقض مع رعايتهملمصالحهم ودولارهم ونفطهم.

لا يلزم أن يجلس البابا على عرش أمريكا البروتستانتية المعادية من الأساس للبابوية كي يقال أن الغرب يدمج الدين في السياسة لأن العبرة بالأفعال لا بالصور والأشكال كما يتوهم بعض السذج المعوَقين والمعوِقين لأي نهضة فكرية وثقافية حقيقية يمكن لها أن تنتشل عالمنا الإسلامي من حفرته التي تزداد عمقا يوما بعد يوم.

ليس هناك عالم تحركه المصالح وحسب بعيدا عن العوامل العقائدية والنفسية ولا يعني هذا بالضرورة أننا نرى الغرب بأسره عدوا كما أن هذا لا يعني عدم وجود تباين في الرؤى والأفكار بين أركان الدولة الواحدة ولا بين الدول المختلفة أو حتى بين الشعوب والنخب السياسية الحاكمة التي تتصرف وتفكر بطريقة تختلف عن الأسلوب البسيط الذي تفكر وتتصرف به الشعوب.

العالم الإسلامي قدم خلال أغلب فترات التاريخ من خلال قياداته الفاشلة أخلاقيا وفكريا، النموذج الأفشل لدمج ما يراه دينا بما يتوهمه سياسة وهو من خلال مهاوويسالجماعات الإسلامية يهتم بعلامات وشعارات التدين بعيدا عن الاهتمام بحقيقة الدينومضامينه الأخلاقية الراسخة حيث كان يتورط دوما في سياسات فاشلة ويتنقل بين مشاريع (جهادية) أكثر خيبة وفشلا.

نحن الآن في مواجهة مشروع غربي عدواني يبدو أكثر رقة ونعومة من مشاريع الغزو والاحتلال المباشر التي نفذها الغرب في القرون السابقة ولكنها أكثر خبثا ودهاءا واستعصاء على الفهم من الطبقة السياسية الحاكمة، أما الطبقة المثقفة التي يفترض أنتتحمل مسئولية تشكيل الوعي العام للجماهير فهي تتخبط ولا تدري من أين أو إلى أين؟!.

على مدى تلك القرون لم يحاول أغلب هؤلاء المثقفين وأصحاب الرأي التصدى لهذه المهمة أو أن يقدم قراءة لواقع الأمة التي توالت عليها المصائب والنكبات ومن ثم تلمس طرق الخروج من هذا النفق المظلم الذي طال وقوفنا فيه دون أن نرى بصيص ضوء أو نرى نهاية وشيكة لهذه العتمة الدامسة.

الغرب يتلاعب بنا تلاعبه بالكرة ونحن منقسمون تائهون حائرون لا ندري من أين أو إلى أين؟!.

وقع أغلب المثقفين في الفخ عندما رفعوا شعار (فصل الدين عن الدولة) أو (لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين) ومن ثم قدموا للجماعاتيين رافعي شعار (الإسلام هو الحل) خدمة مجانية كبرى عندما أظهروا أنفسهم كدعاة لتنحية الدين في حين أن رافعي شعار (الإسلام هو الحل) لا يعرفون شيئا عن الدين اللهم بعض الصور والأشكال التي لا يمت أغلبها للدين بسبب أو نسب!!.

متى كان الدين لحية وجلبابا وبعض روايات يتلقطها هؤلاء من هنا وهناك وأين هي المفاهيم الأساسية للدين كالحق والعدل التي جاء بها الأنبياء وضحى من أجلها الأئمة والمصلحون على مدى التاريخ.

الدمج بين التدين الزائف والدولة القائمة على البغي والظلم والتسلط شكل خطا ثابتا في تاريخنا المسمى بالإسلامي ضمن تحالف بين سلطة متجبرة فاسدة وحفنة من المعممين الفاسدين الذين باعوا آخرتهم بدنياهم حيث باع هؤلاء (الشيوخ) ضمائرهم لمن منحهم المال على سبيل الرشوة وبالتالي فإن مطالبة هؤلاء بالانفصال الطوعي لا يختلف عن مطالبة اللصوص بالتنازل عن سر قوتهم وإلقاء سلاحهم الذي طالما استخدموه في السلب والنهبوالبحث عن مصدر للعيش الشريف!!.

لنأخذ نموذجا على هذا التحالف الخبيث بين مرتزقة الدين وبلطجية السياسة الذي يأمل دعاة الفصل بين هذا وذاك في إقناعهما بالانفصال (بالحسنى).

في أكتوبر من العام 2010 قررت حكومة مبارك إيقاف بث الفضائيات (الدينية) لأسباب لا يعلمها إلا الله!!، إذ لا ضرورة لإرهاق العقل في تخمينها!!.

اختلف لصوص الدين مع لصوص الدنيا... لا على الدين بل على ثمالة من كأس الدنيا الدنية....

خرج لصوص الدين مذعورين من جحورهم، فقطع الأعناق ولا قطع الأرزاق....

توالت الاعترافات الفاضحة.

صرح الأخ حازم صلاح أبو اسماعيل بتاريخ 22-10-2010 بما نصه (كانت القناة تتبع تعليمات الأمن حتي الكلام في الشيعة فتمت مهاجمة الشيعة في توقيت محدد من قبل الأمن ثم تمت تهدئة الأوضاع مع ملامح التقارب أو التعامل مع إيران)[1].

أما الإخواني صفوت حجازي أمين أمناء المعبد فقال بذات العدد (قناة الناس تخضع لرقابة أمنية من جهاز أمن الدولة في مصر ولا يظهر شيخ من الشيوخ علي القناة.. إلا بموافقة صريحة أو بموافقة سكوتية من الأمن)[2].

التحالف القائم الآن بين المؤسسة الوهابية (الدينية) والدولة (العلمانية) في تركيا هو أوضح دليل على أن ما يروج له من دعوة للفصل بين الدين والسياسة في عالمنا المسمى بالإسلامي لا تعدو كونها خرافة سمجة أو خدعة الصبي عن ثدي أمه!!.

الخدعة الأخرى التي سقط فيها بعض (المهدويين) عن طيب خاطر ورضا نفس هي الترويج لما يسمى بالصحوة الإسلامية التي جمعت واجتمع تحت رايتها الوهابي الإخواني الذي يؤمن بإمامة حسن البنا أو يؤمن بأن محمد بن عبد الوهاب هو مجدد التوحيد الإسلامي الذي تلاشى واندثر في عصور الانحطاطكما يزعمون،والشيعي المهدوي الذي يؤمن باستحالة أن (تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ وَبَيِّنَاتُهُ)، ومن ثم فالتناقض بين الفريقين تناقض مطلق إذ لا يمكن الجمع بين الشرق والغرب في موضع واحد.

مصطلح الصحوة الإسلامية

في كتاب (حاضر العالم الإسلامي) الصادر أوائل القرن العشرين وضمن هوامشه التي تجاوزت الكتاب الأصلي يقول الأمير شكيب أرسلان (صاحب الحواشي):

من شأننا تتبع الأدوار المختلفة التي اجتازتها (الجامعة الإسلامية) الحديثة مبتدئين بالدور الأول الذي ظهرت فيه للعالم ظهورا بينا وهو دور الدعوة الوهابية حيث أنشأ ابن عبد الوهاب حكومته على أساس الشورى ولما استولى سعود على الأماكن المقدسة في الحجاز تصور أنها الخطوة الأولى في سبيل فتح العالم الإسلامي قاطبة فتحا إصلاحيا دينيا تتلوه وحدة سياسية عامة بين جميع ممالك الإسلام ولما سقطت الوهابية دون مبتغاها العظيم أخذ الاضطراب السياسي على أثر ذلك يشتد في العالم الإسلامي.

على مثل هذه الأسس بنى السلطان عبد الحميد الذي ارتقى العرش سنة 1876م، مشروع الجامعة الإسلامية فقد اختط الخطط الكبرى لتحقيق مشروعاته العظمى حيث ألغى مجلس النواب وجعل نفسه السلطان المطلق لا تعلو يده يد له الأمر والنهي وحده ولما استوثق له الأمر نحى بسياسته منحى الجامعة الإسلامية فعقد عزمه على التذرع بالخلافة لبلوغ أغراض سياسية عظيمة فأعلن للملأ أنه فوق كونه سلطانا للدولة العثمانية ورئيسها السياسي الوحيد فهو الخليفة الديني لجميع المسلمين وأخذ يستصرخ الأمم الإسلامية في شتى بقاع الأرض لتمد يد العون إليه وكان منذ عهد بعيد يدبر أمور نشر الدعوة للجامعة الإسلامية بوسائل خفية هائلة فغدت القسطنطينية مكة الثانية يلوذ بها جميع ذادة الإسلام المشتهرين بأعمال المقاومة للدول الغربية مثل جمال الدين الأفغاني وأقرانه ومنها صارت توفد الوفود وترسل الرسائل لجميع الأقطار الإسلامية حاملة رسالة الخليفة وهي الأمل المحقق في النجاة من خطر حكم الفرنجة الكافرين.

المسلمون اليوم هم في دور النهضة والانتقال والتجدد يستردون مجدهم الإسلامي الفائت ويستعيدون عزهم التليد حيث قال السير تيودور موريسون (ليس من مسلم يعتقد أن الحضارة الإسلامية فانية أو غير متجددة مترقية إنما يعتقد أن قد عرتها قهقرى قصيرة فحسب، فقصر المسلمون أمرهم على التطوح في الإشادة بمجد الجدود وتعصبوا في ذلك وغالوا غلوا شديدا، يعتقد المسلمون اليوم أن العالم الإسلامي سائر في طريق استئناف الارتقاء يأخذ عن الغرب ما يزيد في استحثاثه ويبعث فيه عزما وإقداما ونشاطا).

انتهى النقل

كتب هذا الكلام قبل قرن من الزمان حيث يبدو واضحا أن مصطلح الصحوة الإسلامية ليس جديدا وأنه استخدم منذ نشأته لوصف المشروع الوهابي، ثم استعاره السلطان العثماني المقبور عبد الحميد فيمحاولةلتوظيف العصبية الدينية لإنقاذ إمبراطوريته التي كان نجمها يوشك على الأفول النهائي.

الأمر ذاته ينطبق على المرحلة الراهنة التي يعيشها العالم الإسلامي حيث نجحت القوى الإمبريالية في توظيف (الصحوة الوهابية) ليس من أجل إعادة مجد الأمة أو استعادة وحدتها بل في تمزيق ما تبقى من شملها ووضعها في معسكرين متقابلين هذه المرة على خلفية مذهبية (الهلال الشيعي في مواجهة المثلث السني).

(الصحوة الإسلامية)، مصطلح غامض، حمال أوجه، استخدم في الأساس لوصف للحركة الوهابية التي حاولت اجتياح العالم الإسلامي عسكريا منذ القرن الثامن عشر وبلغت ذروتها مع تأسيس الدولة السعودية بداية القرن العشرين، برعاية بريطانية بينما أراد البعض الآخر أن يجعل منها عنوانا يجري تجميع التيارات (الإسلامية) سواء كانت شيعية مثل (حزب الله) في لبنان أو وهابية مثل جماعة الإخوان، تحت لوائه والنتيجة التي أسفر عنها مشروع (الجمع المستحيل) واضحة لكل من يتابع الحالة السياسية المتدهورة للعالم العربي والإسلامي.

الذين يرون أن الصحوة الإسلامية هي الوهابية عقدوا عزمهم على بلوغ غايتهم، عالم إسلامي بلا شيعة عبر شن حملات التكفير والذبح الجماعي التي لم تترك مكانا في العالم الإسلامي دون أن تصل إليه بينما بقي الفريق الشيعي على عهده ووعده محافظا على بوصلته موجها سلاحه لأعداء الأمة الحقيقين وهم الصهاينة الغاصبين.

ولأن العارف لا يعرف -ونحن لا نشك ولا نشكك في معرفة من تبنى هذا المشروع- بل يُنبه!، فالواجب يحتم علينا أن نذكر هؤلاء السادة المحترمين أن هذا المشروع لم يزد عن كونه مقامرة بالغة الخطورة ولا جدوى حقيقية من ورائها.

مصطلح الربيع العربي

رفع مصطلح الصحوة الإسلامية مقابل مصطلح الربيع العربي.

نشأ مصطلح الصحوة الإسلامية داخل العالم الإسلامي أما مصطلح الربيع العربي فهو مصطلح غربي بامتياز جرى استخدامه أولا لوصف الحراك الشعبي المناهض للاتحاد السوفييتي السابق ومن ضمنه (ربيع براغ).
الربيع العربي إذا هو توصيف غربي للحراك الشعبي العربي الذي جرى توظيفه كغطاء لخداع الجماهير أو خطة هجوم وهمية في حين كان الهجوم الأصلي الذي رعاه الغرب وهابيا قاعديا تكفيريا وهو ما تجلى في الحالة السورية والمصرية والليبية والتونسية.

أما الصحوة الإسلامية فمصطلح يهدف لرسم خريطة طريق إسلامية المبدأ والمآلات مغايرة للربيع الآتي من الغرب!!.

أما الحقيقة فتقول: لا ربيع ولا صحوة ولا حتى أمر بين الأمرين بل نحن في أمر مريجو(قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ)، الذاريات.

الحقيقة تقول أن شعار الربيع العربي لم يكن سوى تضليل إعلامي لمنح الحراك الوهابي الفرصة للاستحواذ على السلطة وتنفيذ الشق الأهم من المؤامرة وهي تطهير المجال الاستراتيجي المحيط بالكيان الصهيوني من الشيعة واستنزافهم عسكريا باعتبارهم رأس الحربة في مواجهة هذا الكيان.

ليس هناك دليل على أن أمتنا الإسلامية قد درست واقعها وأدركت أخطاءها واستخلصت العبر من تاريخها وانتبهت لما يتعين إصلاحه.

الذين راهنوا على جمع الأضداد في بوتقة (الصحوة) لم يفسروا لنا كيف يمكن تحويل الفكر الخوارجي إلى فكر إسلامي يؤمن بقيمة الإنسان ويحترم كرامته (ولقد كرمنا بني آدم)!!.

الذين غضبوا من العبد لله لرفضه مبايعة جماعة الإخوان وإمامهم المزيف جهلوا أو تجاهلوا أن ذات الجماعة الإرهابية افتتحت موسم الغدر والقتل بشخصي المتواضع يوم الجمعة 9-9-2011 وليس بجريمة اغتيال الشيخ حسن شحاتة والتمثيل بجثته يوم الأحد 23-6-2013 كما يتوهم البعض.

الذين يتباكون الآن وينددون بمؤتمر جاكرتا الداعي لمحاربة التشيع وملاحقة الشيعة في كل مكان، تجاهلوا أن جماعة الإرهاب، عفوا أعني جماعة الإخوان كانت تُوكل عقد هذه المؤتمرات في كافة أرجاء مصر لحلفائها السلفيين تحت عنوان (الشيعة هم العدو).

فلماذا سكت من سكت على هذه المؤتمرات ولماذا تكلم من تكلم على مؤتمر واحد؟!.

يمكننا القول أن الغرب عندما وصف الأحداث التي عاشتها منطقتنا بالربيع العربي كان متسقا مع أهدافه في إسقاط النظم العربية المتكلسة التي باتت تشكل عبئا ثقيلا عليه وعلى سياساته في المنطقة حيث ترافق هذا مع الدفع بقطاع عريض من الشباب الذي تربى في أجواء (السلام العربي الإسرائيلي) نحو الواجهة ولو مرحليا، في حينأن الذين راهنوا على جمع المتناقضات تحت راية الصحوة الإسلامية كانوا يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه كيفما اتفق!!.

القول بأن المهدوية والمهدي الآتي لا يمكن لها أن تنهض إلا على أكتاف المؤمنين بالإمامة والمخلصين لها والمترقبين دعوة إمام الحق هو مبدأ حاكم على أي تصورسياسيعقائدي يرصد الواقع ويفتح طريق المستقبل أمام المؤمنين بولاية أهل البيت عليهم السلام.

إنها بديهية جرى تجاهلها والقفز عليها من أجل تحقيق هدف مستحيل، لو تحقق سيزيدنا بعدا عن هدفنا الأصيل وهو إقامة دولة العدل الإلهي تحت قيادة المهدي المنتظر، عجل الله فرجه وجعلنا من أتباعه وجنده والمستشهدين بين يديه.

خلاصة أولية

يعيش أغلب المسلمين حالة من الحيرة بين الاتجاهات المختلفة، فمنهم من يصدق حكاية الفصل بين الدين والدولة ودافعه لهذا التوجه هو فقر وتواضع أداء (الإسلاميين) وتخبطهم، ومنهم من يرى أن الحل يكمن في تلك التي يسمونها بالصحوة الإسلامية رغم التباعد الهائل بين من يرى أن الصحوة هي الوهابية وبين من يؤمن ويجزم بحتمية الالتزام بمبدأ ولاية أهل البيت وهؤلاء وحدهم هم المعدون والمنتظرون لظهور الإمام المهدي عليه السلام.

الربيع العربي كغطاء للقضاء على الشيعة

الجماهير التي خرجت إلى الشوارع نهاية عام 2010 في تونس وبداية 2011 في مصر لم تخرج استجابة لنداء الإدارة الأمركية أو لتنقلب على نظم تتحلى بالصدق والنزاهة والعدالة بل على نظم بلغت حدودا غير مسبوقة في الظلم والفساد والإجرام والتماهي مع رغبات الاستكبار العالمي وقاعدته المتقدمة في المنطقة إسرائيل.

عندما خرجت الجماهير غير المنظمة لم تكن تعرف ما هي الخطوة التالية ومن الطبيعي أن تستثمر القوى سابقة التنظيم والإعداد والتجهيز هذه الفرصة لصالحها كما حدث في مصر وليبيا ثم سوريا بعد ذلك.

الإعداد لاستثمار هذا اليوم لم يكن يحتاج لعبقرية ولا لتنبؤات نوستر آداموس لأن الغضبة الجماهيرية كانت آتية حتما والحمير وحدهم ونعني الطبقة الحاكمة في عالمنا الإسلامي هي التي تجاهلت هذه الحتمية واعتبرت أن بقاء الحال هو أمر مضمون ومؤكد.

أخرجت الإدارة الأمريكية وحلفاؤها الفرنسيين وأزلامهم الأتراك والسعوديين أوراقها وتحديدا رجالات الجماعات الوهابية التكفيريةالذين جرى إعدادهم وتسمينهم ليوم (الذبح الأعظم) وشحذت سلاحها وأشعلت المعركة الكبرى في بلاد الشام.

انطلقت عمليات الذبح والقتل في سوريا بعد سنين سبقت من ذات الممارسات في العراقفي مواصلة لبرنامج القضاء على الشيعة في المنطقة وربما في العالم بأسره في مرحلة لاحقة.

لا نؤمن بمنطق الصدف التي تحرك هذا النوع من الأحداث، بل نعتقد جازمين بوجود تخطيط محكم جرى الإعداد له طويلا مقابل حالة الدعة والغفلة التي أدمنها من يعتقدون أنهم المهدويون فكانوا كمن وصفهم الإمام علي بن أبي طالب ع (أَيُّهَا النَّاسُ غَيْرُ الْمَغْفُولِ عَنْهُمْ وَ التَّارِكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ)!!.

في خطابه الذي ألقاه بمناسبة يوم الجريح بتاريخ 14 يونيو 2013 وضع السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله النقاط على الحروف قائلا: يوجد هناك مشهد في سوريةيوجد عشرات الآلاف ـ يمكن أن يصلوا إلى 100 ألف أو أكثر ـمن الذين جاؤوا أوجيء بهم من كل أنحاء العالم، وهناك الآن من يريدأن يقنعنا انه يوجد دول عربية ودول في العالم الإسلامي ولا يوجد فيهاانتخابات ولا يوجد فيها ديمقراطية ولا يوجد فيها دستور أصلاً، ولا عندهامؤسسات حكم، تقوم بإرسال أبناء بلدها وتعطيهم الأموال وتقدم لهم التسهيلاتوالضمانات إلى سورية من أجل الانتخابات الديمقراطية والإصلاح، حسناً، نظرنا نحن إلى الموضوع ووجدنا أنه وبعد مضي ما يقارب العامينأو ما يزيد على العامين يوجد أناس مصرون ومكملون في هذه المعركة حتى لوأدى ذلك لتدمير سورية وذبح الشعب السوري، المهم أن يسقط هذا النظاموأن يتغير موقع سورية السياسي والإقليمي، والنظام المراد له أن يأتي ليسنظاماً سياسياً بل البديل هو الفوضى وحكم هذه الجماعات  التي تنحر وتذبحوتقتل وو الخ.... حسناُ، أمام هذا الواقع هناك حرب كونية.

أنا في 25 أيار قلت بوضوح: نحن ذاهبون إلى مكان نعرف كل تبعاته ومستعدون أننتحمل كل تبعاته. يعني أريد توضيح هذه النقطة قليلاً: نحن نواجه مشروعاًآتياً ليهدد المنطقة ومنها لبنان والعيش بلبنان والناس بلبنان، كل الناس فيلبنان، اذهبوا واسألوا في سوريا، اسألوا السنة الذين ليس معهم، اسألواالمسيحيين، اسألوا الدروز والشيعة والعلوية والاسماعيلية والأباضيةوالزيدية، سلوهم كلهم، هل لهم مكان في مستقبل سوريا مع فتاوى التكفيروممارسات القتل الموجودة وبدأت من السنة الذين ليس معهم ، اسألوا سماحةالشيخ البوطي والمصلين في مسجد الايمان، اسألوا  العلماء السوريين الذينقتلوا بسبب موقفهم السياسي أو بسبب عدم تأييدهم الجماعات المسلحة ، عندما تريد أن تواجه هذا المشروع تقدم تضحياتلمواجهة هذا المشروع وإسقاط هذا المشروع، سواءً كانت هذه التضحيات شهداء أوجرحى أو صواريخ سقطت على رؤوسنا بالبقاع أو بالضاحية أو قتل منا أناسمظلومون أو بسبب موقفنا وموقف المواجهة ظُلم ناس في هذه الدولة الخليجية أوتلك الدولة العربية.انتهى النقل.

أنا اقول لكم إن إسقاط هذا المشروع الخطير جداً جداً على أوطاننا وعلىمقدساتنا وعلى شعوبنا هو أضخم بكثير من أي تضحيات يمكن أن تقدم. فيجب أننتحمل هذه التضحيات ونتحمل هذه التبعات، واذا ظن أحد أن وضعنا على لوائحالإرهاب وأن تهديدنا باللبنانيين وأن الاعتداء على أي شكل من أشكالالاعتداء في الداخل والخارج يمكن أن يغير من موقفنا هو مشتبه، وأنا اقوللكم مثلما حكيت عن الشتم والسب، فهو يزيدنا قناعة بأن موقفنا صح، مسارناصح، رؤيتنا صح، موقعنا صح، ويستحق التضحية .

إذا لقد لخص سماحة السيد/ حسن نصر الله الرؤية التي طرحناها من موقع المسئول العارف والقادر على البوح بما تتحفظ عن ذكره وسائلنا الإعلامية التابعة لجبهة المقاومة المستهدفة بهذا المشروع الجهنمي صاحبة المصيبة والأولى بالبكاء عليها وهي في ذات الوقت طليعة الممهدين لصاحب الأمر والزمان أرواحنا لمقدمه الفداء.

كنا نتمنى أيضا على المهمومين بالتمهيد للظهور المهدوي أن يقرنوا هذا الجهاد والتضحيات الغالية التي قدمها هؤلاء الفرسان ببذل كل ما يمكنهم من جهد لتوعية المسلمين المخدوعين بالمشروع السفياني الصهيو وهابي وتعريفهم بخطورة وضلال الوهابية وحيلها القذرة المنحطة التي انطلت على آلاف الشباب فصدقوا أن الأمر يتعلق بدعوة لإعادة التوحيد الصحيح كما يزعم ويدعي هؤلاء القتلة المجرمون بدلا من تركهم فريسة للتضليل.

 

الربيع العربي في نسخته الغربية هو مشروع للقضاء على الشيعة وإعادة رسم خريطة المنطقة بصورة تضمن أمن إسرائيل حتى قيام الساعة من خلال التحالف بين الصهيونية وتوأمها الوهابي الذي أريد له أن يشكل حزاما أمنيا يحيط بإسرائيل وضمن أمنها.

الربيع العربي في نسخته الغربية مشروع يتكون من طبقتين، طبقة خارجية ليبرالية متأمركة تدعي الليبرالية وليس لها من قيم الحرية سوى حرية الصهاينة المطلقة في قمع العرب والمسلمين، وأخرى داخلية وهابية إرهابية قاعدية تشكل الحشوة الناسفة والمحتوى الأصلي الحقيقي الذي سعى الغرب لفرضه علينا.

لم يكن غريبا ولا مدعاة للدهشة اللهم إلا عند البسطاء الذين يتعاطون مع الأشكال دون انتباه للمضامين أن تقف الحركات التي رعتها الخارجية الأمريكية في مصر والتي تتحدث عن الليبرالية وتمارس سلوكا أخلاقيا انفتاحيا في موقع الدفاع عن جماعة الإخوان وأن تساندها مساندة مطلقة في رحلة صعودها نحو السلطة أو تسعى جاهدة للدفاع عنها ومنع سقوطها!!.

الحزام الأمني الذي خطط دهاقنة الغرب لإقامته ضمانا لأمن إسرائيل لم يكن هذه المرة حزاما محليا مثل حزام أنطوان لحد بل حزاما استراتيجيا يتكون من تحالف وهابي واسع جرى تهيئته للقيام بهذه المهمة طيلة العقود الماضية وربما (على الأرجح) طيلة القرون الماضية مذ شق المشروع الوهابي طريقه إلى أرض الواقع.

وباستثناء الملك الأردني عبد الله فالقوى التي ملأت الدنيا ضجيجا بسبب ما سمي (بالهلال الشيعي) لزمت الصمت تجاه مشروع (الهلال السني) الذي لم يكن يعني تسليم السلطة لمسلمين من (أهل السنة) كون هذا حقيقة واقعة، بل تسليم السلطة لجماعات الإرهاب الوهابي الإخواني والقاعدي كي يقوموا بمحاربة الشيعة خاصة المتواجدين منهم في محيط الكيان الصهيوني.

حرب يمكن لها أن تستمر ألف عام امتدادا للخلاف المذهبي الذي استمر 1400 عام حتى الآن تصبح فيها إسرائيل ليس فقط كيانا يبحث عن أمنه بل قوة كبرى مهيمنة تغير وجه العالم لصالحها، وليس فقط وجه المنطقة.

وحدهم السذج والبلهاء هم الذين سقطوا في هذه الحفرة في حين تنبه ملك الأردن لخطورة هذا الاستدراج المميت، ليس حبا ولا رحمة بالشيعةبل لإدراكه لحقيقة هذه الحفرة من النار المموهة بالحلوى والمن والسلوى.

في ديسمبر 2012 أعلن الملك الأردني عن رفضه الباتّ للتورط في أي نزاع سني شيعيمبينا أن موقفه السلبي من "الهلال السني" يوضح أن تعرّضه سابقاً، لما سمّاه "الهلال الشيعي"، لم يكن عدائياً وإنما هو دليل على رفضه للمحاور المذهبية جميعاً[3].

التلكؤ الأردني في دعم مشروع (الهلال السني) يأتي أيضا من إدراك الملك الأردني سليل الأسرة الهاشمية التي طردها الوهابيون من الحجاز والذي يعرف جيداأن اكتمال الطوق الوهابي حول إسرائيل يعني نهاية عرشه حيث الوهابية من الشمال والجنوب!!.

بعد أن سقط الحكم الإخواني في مصر بداية يوليو 2013 بدا واضحا أن عقد (الهلال الوهابي الإخواني) وليس السني بدأ في الانفراط، كتب اللواء المصري المتقاعد محمد الغباشي مقالا في جريدة الأهرام المصرية تحت عنوان (أمريكا تقفز من الهلال السني للمثلث الشيعي) أكد فيه على ذات المعنى قائلا: (إن ثورة‏30‏ يونيو في مصر والخارجية الروسية والإيرانية نجحت في الاطاحة بالنفوذ الأمريكي الذي يودع الشرق الأوسط‏ وأن هذا يدل علي تفكك التوازنات الأمريكية القائمة علي محور الهلال السني مقابل محور المثلث الشيعي حيث إن هذا الاتفاق تم في اطار توتر العلاقات العربية الأمريكية مع مصر من جانب علي خلفية ثورة30 يونيو التي مزقت الأجندة الأمريكية في المنطقة ومع الخليج من جانب آخر علي خلفية التراجع عن الضربة العسكرية علي سوريا والتسامح الأمريكي مع الموقف الإيراني الذي سبق الاتفاق)[4].

سقط المشروع الصهيو وهابي أو المشروع السفياني تحت وطأة ضربات المجاهدين المهدويين الذين نجزم أن أغلبهم كان يؤدون واجبهم ويضحون بأنفسهم دون أن يكون لديهم أدنى اطلاع بهذه الحقائق التي يشيب لها الولدان.

ما زال بعض الشيعة يعول على قراءته للروايات التي تبشر وتلك التي تؤشر لعلامات الظهور آملين أن (يظهر سفياني جديد) غير هذا الذي ظهر وأشبع الناس قتلا وسفكا للدماء وعاث في الأرض فسادا فأكثر فيها الفساد والخراب!!.

فات هؤلاء السادة أن (السيف أصدق أنباء من الكتب)، وأن سواعد الرجال وحدها هي من يمكنها أن تفل الحديد وهكذا تحققت النبوءة.

خلاصة

لا يمكن فصل أحداث الربيع العربي التي ألهبت المنطقة خلال الأعوام الثلاثة الماضيةعن المشاريع الصهيو أمريكية الساعية لوأد البيئة الحاضنة للمهدي المنتظر وإشغالها بحرب استنزاف مذهبية يمكن لها أن تستمر مئات السنين.

حاول الغرب الاستفادة من أوراقه المخزونة وتحديدا الجماعات الوهابية القاعدية توجيه ضربة استباقية للحراك المهدوي وقواعده المنتشرة في بلاد الشام قبل أن يقوى عود هذا الحراك ويشتد وكان عليه أن يتعظ من تجربته الفاشلة في حرب يوليو 2006 وكانت النتيجة هو خسارته لحربه الأخيرة وتحول موازين القوى العالمية لغير صالحه وهو تحول مرشح للتسارع خلال السنوات القادمة.

وإذا كان التحالف الثلاثي الأمريكي الصهيوني الوهابي قد خسر معركة الأرض فستبقى معركة الثقافة والوعي والفكر متصلة وممتدة (وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) الأنفال (42).

دكتور أحمد راسم النفيس

‏23‏/05‏/2014

‏الجمعة‏، 24‏ رجب‏، 1435


 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

[2]المصدر ذاته.

[3]http://www.alahednews.com.lb/essaydetails.php?eid=68675&cid=9

 

[4]http://www.ahram.org.eg/NewsPrint/248102.aspx

 

0 تعليق